أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
486
قهوة الإنشاء
توحش عنده أدب ضده ، وغرق في بحره ، والضبّ والنون لا يجتمعان . فلو أدركه ابن قزمان لقال : « أبو بكر أول من أقر لمحمد بالبرهان » . حدثت عن جامعه الكبير فسموت إلى أن تعلّقت بأجنحة النّسر ، وفعلت ما رسم لي من الكتابة عليه علما بأن وقايته تقي فعلي من الكسر . وتاللّه لقد تأهّلت في الغربة بنسيبه الغريب ، وكل غريب للغريب نسيب « 1 » وجنيت من ثمر أغصانه الثلاثية بين تلك المرابع فطابت حواسّي الخمس . واهتديت بنور مطلعه وترقّيت فعلمت أني وصلت إلى مطلع الشمس . وأذنت إلى خرجاته بالدخول فوجدت كل قرينة صالحة قد اشتملت في بيتها منه على حمل ، فبايعته على سلطنة الزجل ، لأنه صاحب التخت ، ومولّد « 2 » الدقات الأدبية مثل الرمل ، اللّه أكبر لقد صلّت أئمة الزجل خلف هذا الإمام وسلّمت إليه مقاليد الإمامة ، وأقامت قيامة أضداده فاعترفوا في موقف الذلّ أن محمد صاحب القيامة . ونظروا إلى بيوته العامرة بالبديع وقد نظر من علوّ الطباق إليهم ، فتلت قوافيهم في الزلزلة وأمسوا يخرّبون بيوتهم بأيديهم . هذا واللّه الأدب الذي تطيبنا بشذا عرفه وتعرفنا تعريفا لا ينكر ، وسمعنا تاء خطابه فعلا لأهل الفن زجل صغّروا به أنفسهم وقالوا : « اللّه أكبر » . ونظرت إلى توريته الشهلاء وقد غازلتنا بسحر أجفانها ، وبرزت تحت حاجبها النوني ونقطة تلك النون من جملة خيلانها . عارض موصليّهم « 3 » بآلة أدبه المطربة فلم يظهر لإبراهيم الموصلي بعدها طرب ، ولم نر من بديعه غير عصيان بلا طاعة دلّنا منه على قلة الأدب . فلو أدركه الأمشاطي لسرّح عن القيمة « 4 » بإحسان وسلا من تعشّقه « 5 » من الأكياس ، أو عاصره ابن مقاتل لقال : « قوموا بنا يا مشايخ قد أنقى المشيب لعلنا ندخل إلى جنان هذا الجناس » . ولو جاراه الأعرج لانقطع خلفه ولو عرج إلى السماء ، وكم ناظره ابن الغباري فما لحق له غبارا ورجع بالعمى : [ من مخلّع البسيط ]
--> ( 1 ) عجز بيت لامرئ القيس ضمن بيتين قالهما عند موته ، وصدر البيت : أجارتنا إنا غريبان هاهنا ( 2 ) مولد : قا : موضع . ( 3 ) موصليهم : قا : مواصيلهم . ( 4 ) القيمة : طب : القيامة . ( 5 ) تعشقه : قا : يعشقه .