أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

458

قهوة الإنشاء

وأمّيت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع ، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع . وتمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات السحرية ، * وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت إلى تلك الشذور الذهبية * « 1 » ، وآنست من جانب طوره نارا فرجع إليّ ضياء حسي ، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زها بالبساط والكرسي ، فقلت : « هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا ، وشقي من لم يدس بساطه ويأتيه طائعا » ، ولقد صدق من قال : [ من الطويل ] أرى الحسن مجموعا بجامع جلّق * وفي صدره معنى الملاحة مشروح فإن يتغالى بالجوامع معشر * فقل لهم : باب الزيادة مفتوح معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته ، ورأيته في القلّة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أناته . وخفّض النسر جناح الذل وود أن يكون النسر الطائر ، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر . هذا وكم نظرت إلى حجر مكرّم ليس له بعد إكسير الماء جابر . واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق ، ومرّت حلاوة نارها « 2 » بعد ما ركبت طبقا عن طبق ، وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل ، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل . ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهبة ، ولم تبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة سكبته الطيبة ، وتذكر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة ، وتكدرت أفراحه لما ذكر أيامه بتلك الغيضة ، وأنشد لسان حاله : [ من الكامل ] لو أن مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر وودّت العروس أن تكون مجاورة لحماتها ، لتبلّ ريقها برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية وقد دخل إلى جنّاتها ، ونظرت إلى فوّار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتجرّا ، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء « ألا فاسقني خمرا » ، ودخلت إلى الكلاسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كل ناهده ، ورثيت « 3 » النساء وقد فقدن بعد تلك الأنعام المائدة . واستطردت إلى باب البريد فوجدت خيول الماء الجارية قد قطعت عن تلك المراكز ، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد انعقد لسانه لما شعر من

--> ( 1 ) ما بين النجمتين ساقط من قا ، ها . ( 2 ) نارها : قا : نهارها . ( 3 ) رثيت : تو ، ها : زينت ؛ طب ، ق : كلمة مهملة تماما .