أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

421

قهوة الإنشاء

كل من مطالعه : « أنا مطلع الشمس الذي ما تستّر بغيم جهل ولا احتجب » ، وتأدبت لاميّة الطغرائي بين يديه وباشرت في خدمته سلوك الأدب ، وما شك متأدب أن لامية العجم أبدع من لامية العرب . ولو عاش الفاضل قيل له : « هذه مقلة سراجك قد غازلتها جفون الغلس ، ولسان قلمك قد انطلق بعد ما اعتراه الخرس ، وخاطر سكّينك قد انبسط وكلّم بحدّه ، ولمّة دواتك قد راجعها عصر الشباب وأمست بعد بياض المشيب مسودّه ، وصدور أوراقك قد انشرحت بعد ضيقها وضيق صدرك ، وتليت سورة الإنشاء وأبطل الترسل المحمدي معجزك في نثرك ، وقد تعين عليك أن تخاطب هذا الإمام بقولك في شعرك » : [ من البسيط ] أهذه سير في المجد أم سور * وهذه أنجم في السعد أو غرر وأنت في الأرض أم فوق السماء وفي * يمينك البحر أم في وجهك القمر يقبّل البدر تربا أنت واطئه * فللتراب عليه ذلك الأثر فلينظر في ذلك فإنه أمسّ الناس قديما وحديثا بتدبير الدول ، وفي حسن تدبيره بحمد اللّه ما يجمع لنا بين العلم والعمل ، ويقابل جمل هذه النعمة بتفاصيل شكره المتزايد ، ويعرب للمستحقين عن صلة برنا فإنها نعم الصلة إذا كان هو العائد ، والملخصات فمفتاح تلخيصها في يده وفي مصر خطبته عروس الأفراح ، وهي خائفة من نقصها بين يديه عند الإيضاح . والقصص لو كانت عدد النمل كان أجلّ من الشعراء في نظم بيانها « 1 » ، وخيول البريد ففي أيامه تمزق محرر البرد لسرعة جريانها ، وحمائم الرسائل أرته بعد تمزيق أطواقها نعم القادمة ، وأظهرت من خوافيها ما كانت له كاتمه ، وبرزت من مقفّصها فلم تترك لطرح البرد قيمه ، وتغزل الناس في تدبيج أطواقها وعلقوا عليها تلك النميمة ، ونفذ الدستور في أيامه وأمسى لواء المصطلح على رؤوس كتّاب الإنشاء معقودا ، وزال تنكير التعريف وأصبح حسن التوسل للشهاب محمودا ، ونفث سحر الإنشاء من أنامل الأقلام في كل عقده . وقام ابن حجّة بحمد اللّه بعد تلك العقدة ، واتضح لأهل هذا العلم صبح الأعشى وأدار قهوة الإنشاء كل منشئ فأنشأ . ونظر في ذلك ملك العلماء وأسجع من تناول رماح الخط بيمينه ، وأمسّ من طعن في صدور الجهّال بأسنّتها ولا طعن بحمد اللّه في رأفته ودينه . وجاء حق العلم وزهق باطل الجهل

--> ( 1 ) بيانها : قا : أبياتها .