أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

419

قهوة الإنشاء

أما بعد ، فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا « 1 » قد ضرب عنه صفحا ، ونسيت الأيام الفاضلية واستدّ الفتح القدسي ولم نر لباب من أبواب هذا العلم فتحا ، واختفت محاسن ابن عبد الظاهر ، ونسي سجع المطوق على أفنان البلاغة ولم يظهر لحدائق المنثور فرع زاهر ، وذوت دوحة الإنشاء وقصفت غصون أقلامها ، وعبّس ثغر سينها وانحدب ظهر دالها ولم يتوصّل إلى التعريف بلامها ، وصار لصرير القلم في صدر كل طرس أنّه . وكان لصوت غنائه على دفوف الأوراق غنّه ، وفقد خدّ الطّرس حسن العوارض من تشاعير لاماته ، ومحيت سود نقطه التي كانت تعدّ من حسناته ، وضيّق الجهل خناق قلمه وفطس ، وأخرس لسانه بعد ما كان يتكلم من صريره بنفس ، وبطل تشبيب هذا اليراع « 2 » على المثالث من سجعاته والمثاني ، وقال المنشئ : « لا من يدي » فقال القلم : « لا من لساني » ، وبطلت أحكام القاضي الفاضل ، ولهذا أصبح غريم الدهر لذوي الاستحقاق يماطل ، وقيّد كميت قلم الإنشاء ولم يطلق عنانه ، وأراد يغرّد بسجعه فقطع لسانه ، ودفن بعد قبضه في تابوت دواته ، ولبس النقس عليه السواد لأنه فقد حلاوة لسانه وعذوبة رشفاته . وقضى الإنشاء نحبه وكان وشيه المرقوم على صفحات الدهر منقوشا ، وكانت سجعاته تجلس من طروسها على أسرّة الملك فأمست تلك الأسرة لها نعوشا ، وحبست سطوره وتقيّدت بقيود ميماتها وتسلسلت ، ولم ترض قرينة صالحة مراجعة قلبها بعد ما ترمّلت . وفقد « 3 » السجع فمزّق طوقه « 4 » الحمام ، وأمسى غريب الإنشاء بلا صاحب . والغريب إذا فقد الصحبة كره المقام ، وبعد تلك الفترة ظهرت الشمس المحمدية فعوّذتها الأمة بالسماء والطارق ، واهتدينا عند طلوعها بمطلع الأنوار وبهجة المشارق ، وتسامى ديوان إنشائنا الشريف بهذه الطلعة الشمسية وشق جيب ظلامه ، وود القمر أن يكون له طرسا وسواد الليل مدادا وتطاول الرامح إلى أن يكون من بعض أقلامه ، وإن قيل أنه كان للإنشاء فاضل ليس له مناظر ولا مناضل ، فما شك

--> ( 1 ) فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا : طب : فديوان إنشائنا الشريف كان سيف ناموسنا الشريف ؛ ق ، قا : فديوان إنشائنا كان سيف ناموسنا الشريف ؛ تو : فديوان إنشائنا كان ناموسا الشريف . ( 2 ) اليراع : قا : الربوع . ( 3 ) وفقد : ها : ونفد . ( 4 ) طوقه : طب : طوق .