أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

366

قهوة الإنشاء

ولمّا كان المجلس العالي القضائي البدري حسن بن نجم الدين - أدام اللّه تعالى نعمته - هو فارسها الذي ما اعتقل رمح قلمه إلا أغنى عن السمهرية وألسنتها الحداد ، فإنه القلم الذي صانه الباري من الدنس وهو أبلغ من خطب على منابر الطروس بشعار السواد ، وأدار قهوة الإنشاء قديما ، فإنشاء البلغاء على يد كل مدير ، وما برح نظر الجيش ممتدا إليه إلى أن أشرقت ليالي سطوره بهذا البدر المنير ، اقتضت آراؤنا الشريفة أن نزيل بعقله الجوهري ما حصل في هذه الوظيفة من الأعراض ، ونطلق فيها سهم رأيه الصائب لنصل بها إلى الأغراض ، فإنه صحب ديوان الإنشاء فوثق بصحابته ورأيه الصائب ، وصدق المحبة لا ينكر له فإنه صاحب وابن صاحب . فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الصالحي - لا زالت بدور الكمال مشرقة في أيامه ، وكلما أطلع فيها بدرا اعترف الناس بكماله وتمامه - أن يستقر المشار إليه في وظيفة نظر الجيش المنصور « 1 » بدمشق المحروسة لنرى من يقظته في مهماتنا الشريفة جيشا ثانيا ، وقطفا من ثمار التأييد بحسن بصيرته دانيا . فإن خوافق الرايات تسكن عند صواب رأيه الرشيد ، ونظمه في المربعات يفوق على تخميس كل قصيد ، وإن ذكر الكرم والكتابة فإجماع الناس على أنه عين الكرام الكاتبين ، وإذا رفع إليه حساب ما يجاري في سرعة فهمه فإنه ملحوظ من أسرع الحاسبين . وكأنّا بالربوة وقد غنّت على جنكها فرحة بعودها المرقص والمطرب . وحركت عيدانها على تلك الدفوف ونفخ النسيم في شبّابة يزيد فأتحفت بالنفس الطيب . وقويت قلوب العساكر الشامية فرحة بقدومه وعلما بإقدامه ، وقال كل جبّان : « حرام عليّ أكل الخبز بالجبن في أيامه » ، وعلم صاحب كل خبز أنه يصل إلى الخاصّ بعلامته ، وتجندت قلوب العساكر على محبّته ، وصار لها يوم العرض طول بطوله وشهامته ، وقرأ باب النصر في أوّل الفتح وصار مطلعا لهذا البدر وكان غيم الوحشة قد أخفاه ، وقالت دار السعادة وقد أبدر في أفقها : « ربي وربك اللّه » . فليباشر ذلك فإنّ اللّه قد خصّه بحسن النظر وحسن البصيرة ، وهو البدر الذي يغني كماله أن نقول له والوصايا كثيرة ، ولم يخالف بالبلاد الشامية في تمام هذا البدر أحد من الناس ، وقالت مصر لمن قاسه بغيره : « بيني وبينك المقياس » ؛

--> ( 1 ) الجيش المنصور : قا : الجيوش .