أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

295

قهوة الإنشاء

صدرت هذه المكاتبة تشرح له أن دوحة صدرنا الشريف فقدت ثمرة الفؤاد ، اشتغل الناس بزيادة الدمع من زيادة البحر وكلّ من البحرين طما وزاد . وتبدي لعلمه الكريم فقد المقرّ الأشرف الصارمي ، روى اللّه من غيث الرحمة ثراه ، وسقى نباته الحسن ورعاه . فيا له من رزء حثا الترب في وجه البدور وذلك الأثر ما زال . وغارت الشمس من عناق الترب له فمدت إلى تلقّيه تلك الحبال « 1 » . ويا لها من ثمرة ذقنا بعد التفكّه بحلاوتها مرارة النوى ، ويا له من غصن قلنا إن فيه الخلف فذوي ، ويا له من نجم رمنا أن نصافح به كفّ الخضيب فهوى . ويا له من عزم فلّته يد المنية وكان هو والسيف على حدّ « 2 » سوى . وقد وجدنا في ندبة التهامي هنا فائدة ، إذ التورية فيها لحكاية الحال مساعده ، وهي : [ من الكامل ] إني وترت بصارم ذي رونق * أعددته لطلابة « 3 » الأوتار يا كوكبا ما كان أقصر عمره * وكذا تكون كواكب الأسحار فكأنّ قلبي قبره وكأنه * في طيّه سرّ من الأسرار * جاورت أعدائي وجاور ربّه * شتّان بين جواره وجواري * « 4 » وأما الرياض الصارمية فلفقدها نثر الورد كفوفه على الشوك وشق أكمامه ، وقطع البان عذباته ، وأغمد « 5 » البرق في غيوم الحزن حسامه ، وقال أخوه الروض لما فقد خده الشريق « 6 » : « واللّه ليس لي بعده شقيق » . وهامت عوارض الريحان إلى النبات على وجنات تربته ، وأقسم نسيم الصّبا لا يمرّ بريّا القرنفل إلا على أكناف بقعته ، وعضّ المنثور على الأصابع وبكته عيون النرجس من الطلّ بدموع . وأشار النيل بأصابعه إلى وداعه فقد تغير لونه وخفقت من أمواجه الضلوع ، ومزّقت الورق عليه من الأسف مدبج أطواقها ، وأملت « 7 » فنون الحزن من أوراقها ، وقلعت العربيات عيونها النعلية ومشت حافية على

--> ( 1 ) الحبال : طب : الخبال . ( 2 ) حد : طب : يد . ( 3 ) لطلابة : ها : لطلايه . ( 4 ) ما بين النجمتين ساقط من ها . ( 5 ) أغمد : تو ، قا : أعمد . ( 6 ) الشريق : ها : الشريف . ( 7 ) أملت : ها : أسبلت .