أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

المقدمة 14

قهوة الإنشاء

وتقدّم لنا الوثائق والرسائل التي احتفظ بها ابن حجّة معطيات هامة تتعلق بنواحيها الوثائقية الشكلية ، أي بأنواعها المختلفة وبتركيبها وفقا لنوعها ، وبألقاب المرسل إليهم ونعوتهم طبقا لدرجاتهم ورتبهم وبمخاطباتهم وبإبداء المجاملة أو العتب اللطيف وغيره ، وتوجد معلومات مهمة أخرى في تراجم الوثائق تخص بظاهر المكتوب مثل قطع الورق ونوع الخط والمسافات بين السطور ألخ « 1 » . وتطلعنا التقاليد والتواقيع على سياسة التوظيف « 2 » . بينما تأتي المراسلات الرسمية مع الدول المجاورة والدول التابعة بمختلف التفاصيل المتعلقة بحالة العلاقات المتبادلة وتحولاتها . ولكن ما يصعب على مطالعها اليوم هو فهمها الصحيح وتفسيرها الكامل ، أحيانا بسبب أسلوبها الديبلوماسي الخاص بزمانه الذي سهل فهمه للمتسلم « 3 » الملم بالأحوال التي نبّه عليها المرسل في رسالته مستورا في السجعات وأبيات الشعر ومختلف دقائق البديع « 4 » . وتقدم نصوص قهوة الإنشاء مادة لغوية غزيرة نظما ونثرا محدودة زمنيا بوضوح ، مادة تعود إلى مستويات تعبيرية متنوعة ، منها لغة الديوان الرسمية ، ولغة المكاتبات الرسمية والخاصة ، ولغة النصوص الأدبية ، وفي حالة النصوص الصادرة من الديوان يمكننا أن نلحظ استخدام عناصر البديع المختلفة ، أي إلى كثرتها وتحويرها كوسيلة

--> - يشهد به نص العهد الصادر لحاكم دهلي الوارد في كتاب « صبح الأعشى » ( الذي لم ينقله القلقشندي من نسخة ابن حجّة ، بل نقله مع كافة البيانات حول أوصافه الشكلية وذكر كاتبه [ « صبح الأعشى » ج 10 ص 129 ] من نسخة مختزنة ) لم يكن من المضمون أن ما أنشأه ابن حجّة جاء في مبيضة المكتوب النهائية بل بالعكس لم يكن إنشاؤه إلا مسوّدة نوقش نصّها ، وإن دعت الحاجة إلى تعديلات ضرورية أدخلت في المكتوب . فالرسالتان إلى شكرا خان ( الرقمان 30 و 31 ) مثل جيد لهذا الأسلوب . والبديهي أن النسّاخ هم الآخرون عدّلوا في ما أنشأه ابن حجّة . ( 1 ) ذكرت ترجمة مكاتبة شكرا خان الأولى ( الرقم 30 ) مثلا وصفا مفصّلا لظاهر الرسالة . ( 2 ) كثيرا ما تؤكد هذه الوثائق دور السلطان في « وضع الأشياء في محلها » ، ويمكن تفسير هذا المصطلح كإزالة خطأ الحاكم السابق . ( 3 ) تعقّد طبيعة اللغة العربية مع لبس أصول الكلمات وقراءة الكلمات المهملة الفهم الكامل لهذه النصوص أحيانا ، وتمثل الرسالة الرقم ( 112 ) مثالا جيدا للتلاعب بتنقيط الحروف عندما تذكر فيها قصيدة مرفقة بالرسالة و « ودّت كلّ عين أن تصير بها غينا حسدا للفاء على هذه الغبطة » . ( 4 ) يذكر ابن حجّة كثرة استخدام التورية في المكاتبات الواردة ، ويبدو أنه أيضا أكثر استخدامها في آثاره ( عن التورية راجع EI 2 , 10 , 395 ) .