أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

289

قهوة الإنشاء

فقطع أوصال المودة مشعر والعياذ باللّه بقطع الوصل ، وترك الإعراب « 1 » عن فصول المحبة ، ويأبى اللّه ذلك مؤذن بالفصل ، والأقلام قد تطاولت أعناقها واشتاقت إلى أطواق المداد ، وهامت إلى خطابة المحاسن المحمدية وترقيها في شعار ذلك السواد . وقد علم الجناب أن الكتاب المحمديّ ما برحنا مستمسكين بأسبابه ، ونحن في كل وقت ملتفتون إلى الرسول وكتابه . وغير ذلك أنه ما خفي عن علمه الكريم أن الأمير ناصر الدين محمد بن قرمان كان قد ركب خيول السهو فاستطردت به إلى مضارع « 2 » الآفات ، وشرب خمر التعدّي . فلو لم يقم سيف السلطنة عليه الحدّ ما أفاق من تلك السكرات . وها هو قد قرع بعد ما عضّت الحرب بأنيابها « 3 » من الندم سنّه ، وكم كتبنا إليه مثالا شريفا ومشّيناه على السنة الواضحة فخالف الكتاب والسّنّة . وحذّرناه من التعرض إلى طرسوس فخالف أم كل تحذير وأبى ، وكرر المجادلة في المخالفة إلى أن وقع في النازعات وصار لتلك الواقعة نبأ . وغير خاف عن الجناب أن طرسوس ما برحت أسوارها بالنسبة إلى سلطاننا مشرّفة ، وآذان مراميها بأقراط تقاليدنا الشريفة مشنّفة ، وهو ينقاد إليها بزمام الجهل ويسلّم إلى جهّاله « 4 » القياد ، ويقول بعد ذلك : « لعنت إن عدت إليها لعنة قوم ثمود وعاد » ، إلى أن جهّزنا المقر الشريف العالي الأميري الولدي الصارمي إبراهيم ولد مقامنا الشريف ، أعز اللّه أنصاره : [ من البسيط ] فساق كلّ عصاة القوم خاضعة * تمشي إلينا وقد زلّت به القدم وخصّ « 5 » من قرمان فرقة فنيت * واشتد في لحمهم من سيفه القرم وراموا بطرسوس ملكا منهم أخذت « 6 » * وزال من أجلها واللّه ملكهم ومصطفى عينه مذ مدّها قلعت * وها أبوه أسير دابه الندم ولكن مراحمنا إن تاب قد وعدت * بعده لينادي : « هكذا الكرم ! » ولم نؤخره إلا لأنه نظم أمره على غير طريق المتأدبين وأردنا أن نعلّمه طريق الأدب ،

--> ( 1 ) الإعراب : طب ، تو ، ها : الإعراض . ( 2 ) مضارع : تو ، ها ، قا : مصارع . ( 3 ) بأنيابها : قا : إينابها . ( 4 ) جهاله : ها : جهالة . ( 5 ) خص : تو : حض . ( 6 ) الواو في مطلع البيت زائدة ، وكذلك في مطلع البيت الأخير .