أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

المقدمة 9

قهوة الإنشاء

ولم يكن ابن حجّة كاتبا من كتّاب الدرج أو كتّاب الدست ، بل كان شاعرا وأديبا عاملا في الديوان ، فهو الآخر اعتبر الوثائق والمكاتبات المختلفة نوعا وشكلا ومضمونا التي صنفها أثرا أدبيا خاصا به ، يحق له أن يتصرّف فيه بكل حرية كما يتصرف في أي مؤلّف من مؤلّفاته التي خطّها قلمه « 1 » . فلذلك لم يعدم النصوص النهائية لمنشآته بل احتفظ بنسخها بما فيها نسخ المكاتبات التي لم ترسل قطّ « 2 » . فلولا ذلك لما استطاع أن ينقل إلى « قهوة الإنشاء » النصوص التي أنشأها في حماة أيام السلطان فرج بن برقوق . ومع ذلك لا شك في أن غالبية الوثائق والمكاتبات التي ألفها ابن حجّة خلال السنين الإحدى عشرة التي قضاها في ديوان الإنشاء الشريف ضاعت إلى الأبد ، وضاعت بعد موته تلك النسخ التي نعتقد أنه احتفظ بها في بيته ، ولم يبق إلى أيامنا هذه إلا ما اختاره لكتابه « قهوة الإنشاء » كأمثلة نموذجية معروضة لزملائه في الديوان للمطالعة والإلهام وتسهيلا لعملهم الشاقّ . وكان ابن حجّة أديبا قبل كل شيء ، فلم يرض أن تضمّ مجموعته النصوص الرسمية فقط ، حيث يقول بصراحة في المقدمة المذكورة أنه « أدار كأس الإنشاء » لينتشي بها صاحب الذوق السليم إن شاء ، ويطرب عند رشف هذه القهوة » و « ليتفنّن المتأدب في فنون متشعبة » دون أن « يبخل بالإنفاق من هذه الحاصل [ كذا ] على الكرام الكتبة » . وفعلا إذا ما تأملنا هذا المصنف جملة « 3 » ، نرى بوضوح أن ابن حجّة رمى به إلى أكثر من غرض واحد « 4 » . لا شك في أن الوثائق والمكاتبات الديبلوماسية تمثل غالبية النصوص ، إلا أننا نلقى فيه كذلك نصوصا لا علاقة لها أبدا بديوان الإنشاء والسياسة ، مثلا

--> ( 1 ) هذا إن صح افتراضنا المذكور أعلاه . ( 2 ) هو أول المكتوبين الموجهين إلى شكرا خان ( الرقم 30 ) ؛ واختزنت نسخ المكاتبات وغيرها من الوثائق في محفوظات ديوان الرسائل . ( 3 ) قدمت تقريرا عن « قهوة الإنشاء » وعما تحويه بمناسبة مؤتمر جمعية الاستشراق الألمانية الخامس والعشرين ، ( راجع : . ( Eine neue Quelle zur GeSchichte AgyPtenS . ZDMG - SuPPl . 10 , 136 - 143 ( 4 ) تناولنا هذه المسألة في البحث المذكور في الحاشية رقم 2 أعلاه .