أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

160

قهوة الإنشاء

كل أمه . ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة يتشرّف وصل كل طرس بفضلها ، وتمتد لنا فروع الخيرات من أصلها ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي هو أفضل من جاء برسالته ، ومثّل الصواب لأمته فهديت بأمثلته الشريفة وأسبغ اللّه عليها ظلاله ، صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه الذين سجع مطوق القلم بمدحهم في الأوراق ، وأشرحت صدور الطروس بهذا السجع الذي هيّج الأشواق ، وسلم تسليما كثيرا . وبعد ، فديوان الإنشاء الشريف كانت ألسن « 1 » أقلامه قد اعتراها الخرس ، ولم يتردد في صدور الأوراق من أفواه المحابر نفس ، وانتثرت أوراق المنثور بعد ذبول زهره ، وقطعت منه تلك الأصابع التي هي أقلامه في نظمه ونثره ، وضاعت رائحته من غير تورية فلم يشمها كاتب ، وتبلد عرفه وكان من الذكاء على جانب ، ولم يبق له يراع إلا اشتغل رأسه بالمشيب لطول المدد ، ودفن في قبور الأدوية بإرادة الباري وهو عاري الجسد ، وتأيدت رسالة السيف عليه وكذّبت رسالته المصدّقة ، ولم تظهر لدوحة الإنشاء لغصنه ثمرة على ورقه ، ونقّصوا ما اختاره ابن نباتة من فاضل الفاضل ، وأخفوا محاسن ابن عبد الظاهر فلا قلم إلا ودمع مداده على تلك المحاسن سائل ، شكا فصل الخطاب من عدم الوصل ، وتنكّر التعريف كأن لم يكن لفروعه أصل ، ولم يظهر للتثقيف في خطّي القلم صعدة ، ومنع من كحل المداد الأسود فظهر البياض على عينه المسودة ، وأطبقت عيون الأحرف من تشاعيرها هذب تلك الأجفان ، ولازمها القرح فأمست تلك العيون الساحرة بغير إنسان ، وفرّق بين قسيّ « 2 » دالاتها وسهام همزاتها مدّه ، ومنعا من الغرض فلم تمتد إليها يد صائبة « 3 » بمدة . وكأن الفتح ليس له طاقة على بيوت الإنشاء فسدّ الباب ، وأبعد لجهله كل كريم من الكتّاب ، إلى أن ظهرت أيامنا الشريفة المؤيدية ، وبرزت فرسان البلاغة في الأيام البارزية ، وقالت قهوة الإنشاء : « دار لي الدور ، وصعدت أقلامي إلى نجد الطروس بعد ما كانت من بطون الأودية في غور » .

--> ( 1 ) ألسن : تو ، ها : السنة . ( 2 ) قسي : ساقط من بر ، قا . ( 3 ) صائبة : طب : صابية ؛ بر ، قا : كاتبة .