ابن الجوزي

80

القصاص والمذكرين

المعاذير لهم ، وتكلف التأويلات لتصرّفاتهم الشاذة وللكلمات المنكرة التي قد يروونها عن الصوفية . . . ولكن يأبى اللّه إلا أن يقوم في كل عصر عدد من العلماء الصادقين والدعاة المجاهدين ينكرون المنكر ، ويكشفون زيف الدجالين ، ولا يبالون ما يصيبهم من الأذى مؤثرين رضا اللّه على السلامة والمنفعة العاجلة . * * * ومن أهمّ آثارهم السيئة وضعهم الحديث أو نشرهم الموضوع وإذاعته ببيان مشرق ومقدرة على الكلام بالغة . . لقد شوّهوا السنّة المرفوعة إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أذهان الناس إذ أدخلوا فيها كثيرا من الخرافات والأباطيل ممّا يحيل العقل وقوعه وممّا يتعارض مع أصول الشريعة المطهرة . ولو نظرنا إلى الأحاديث الموضوعة لوجدنا أن نصيب القصاص في اختلاقها كان كبيرا ، وهذا أمر طبيعي ، لأن هذا القصّ المستمر يتطلب مادة كثيرة وجديدة ، فكانوا مدفوعين لذلك دفعا . قال ابن الجوزي في كتاب « الموضوعات » : ( معظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص ؛ لأنهم يريدون أحاديث ترقق وتنفق ، والصحاح تقلّ في هذا ) « 1 » . إن عددا كبيرا من هؤلاء القصّاص اتخذ القصص مهنة له يعيش من عمله فيها ، ولم يكن خوف اللّه متوافرا عندهم ، ومن هنا غدت هذه المهنة وسيلة للكسب يسعى صاحبها وراء رزقه ، ولذلك نراه يسارع في ابتغاء مرضاة العوام ، فهو حريص على رضاهم وإعجابهم ، وليس حريصا على تقويمهم ولا تعليمهم .

--> ( 1 ) « الموضوعات » 1 / 44