ابن الجوزي

77

القصاص والمذكرين

جولد زيهر عن « يتيمة الدهر » أنهم كانوا يكلفون واحدا بالجمع للقاصّ ، وكان يدعى من يقوم ليجمع الصدقة في مجلس القصص ، كان يدعى ( المكوّز ) فكان القاصّ يأمر الحاضرين بإعطائه وإذا تفرّق الجمع تقاسما ما اجتمع من المال « 1 » . وذكر ياقوت أنّ رجلا جاء إلى قاصّ يسمى أبا سليمان ، فأعطاه فلسا وقال : ادع اللّه أنّ يردّ علي ابني . فقال : وأين ابنك ؟ قال : بالصين . قال : أيرده اللّه من الصين بفلس ؟ هذا مما لا يكون . إنما لو كان بجنّابة أو بسيراف كان نعم « 2 » . وكانوا بالإضافة إلى جشعهم يرغبون في حبّ الظهور والشهرة ، وكان كثير منهم يتصف برقة الدين ، وإن كان منهم في الوقت نفسه ناس صالحون ، ولكنّ هؤلاء الصالحين أخذوا بقول العلماء الذين أجازوا التساهل في رواية الحديث في مجال الترغيب والترهيب ، فسوّغوا لأنفسهم أن يوردوا قصصا ضعيفة . . . وجاء ناس آخرون فاستغلوا هذا التساهل الذي درج عليه أولئك الصالحون فعمدوا إلى اختراع قصص ودسّوها لهم فأخذوا يرددونها . * * * يبدو أنّ ظاهرة القصص بدأت مبكرة في تاريخنا ، فقد جاء كلّ من تميم الداريّ « 3 » رضي اللّه عنه ، وهو صحابيّ ( متوفى سنة 40 ه ) والحارث

--> ( 1 ) انظر تعليق مترجم كتاب آدم متز ( 2 / 149 الطبعة الثالثة في مصر ) الذي نقل هذا الكلام عن جولدزيهر في كتابه « دراسات اسلامية » 2 / 161 - 170 وذكر جولدزيهر انه نقله عن « يتيمة الدهر » 3 / 178 . ( 2 ) « معجم البلدان » 2 / 166 طبع بيروت . وجنابة وسيراف بلدتان قريبتان من بغداد . ( 3 ) انظر « تحذير الخواص » 172 و « الباعث على الخلاص » 126 و « كتاب القصاص والمذكرين » 169 .