ابن الجوزي

54

القصاص والمذكرين

- على هذا الفعل - ناقصة تحتاج إلى تتمة ، ثم قد نسوا قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » . ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب ، فنوعوا فيه الكلام ، فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق ، ولبّس عليهم بأننا نقصد الإشارة إلى محبة اللّه عز وجل ، ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى ، فيضل القاص ويضل . ومن ذلك ما يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه ، وكثرة الجمع توجب زيادة تعمّل ، فتسمع الناس بفضل بكاء وخشوع . فمن كان منهم كاذبا فقد خسر الآخرة ومن كان صادقا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه . ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان ، والألحان التي أخرجوها اليوم مشابهة للغناء ، فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة . والقارئ يطرب ، والقاصّ ينشد الغزل مع تصفيق بيديه ، وإيقاع برجليه فتشبه السكر ، ويوجب ذلك تحريك الطباع ، وتهييج النفوس ، وصياح الرجال والنساء ، وتمزيق الثياب ، لما في النفوس من دفائن الهوى ، ثم يخرجون فيقولون : كان المجلس طيبا ، ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز . ومنهم من يجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها ، لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة ومن مات غريبا ، فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم ، وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع .