ابن الجوزي

246

القصاص والمذكرين

يا ابن آدم ! إنما أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقدة الرحال إلّا في غيرها . وإنّما يشتغلون بالعواريّ . فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للمعير . واعلم يا ابن آدم ! إنّه لا رزّية في عقل أعظم « 1 » ممّن ضيّع اليقين . أيّها الناس ! إنّما البقاء بعد الفناء ، وقد خلقنا ولم نكن . وسنبلى ، ثمّ نعود . ألا وإنّما العواريّ اليوم والهبات غدا . / ألا وإنّه قد تقارب منّا سلب فاحش أو عطاء جزيل . فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه ! يا أيّها الناس ! إنّما أنتم في هذه الدار عرض فيكم المنايا تتّصل . وإنّ الذي أنتم فيه من دنياكم نهب للمصائب . لا تتناولون فيها نعمة إلّا بفراق أخرى . ولا يستقبل معمّر منكم يوما من عمره إلّا بهدم آخر من أجله . ولا تجدّد له زيادة في أجله إلّا بنفاد ما قبله من رزقه . ولا يحيا له أثر إلّا مات له أثر . فنسأل اللّه أن يبارك لنا ولكم فيما مضى من هذه العظة « 2 » . ذكر المذكّرين من أهل الكوفة 29 منهم علقمة بن قيس النخعيّ « 3 » 98 - أخبرنا محمّد بن عبد الباقي قال : أخبرنا حمد بن أحمد قال :

--> ( 1 ) كلمة ( أعظم ) استدركها الناسخ في الهامش ، وأشار إلى أن موضعها بعد ( لا ) ، وأحسب أن ذلك سبق قلم . وان الصواب ما أثبتنا . ( 2 ) في الأصل : المعصية . والتصويب من « الحلية » و « البداية » و « صفة الصفوة » . وانظر هذه الموعظة الرائعة في « الحلية » 4 / 30 و « البداية والنهاية » 9 / 282 و « صفة الصفوة » 1 / 291 . ( 3 ) هو علقمة بن قيس بن عبد اللّه النخعي الكوفي ، ولد في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وروى عن عدد من الصحابة ، كان ثقة من أهل الخير وكان أشبه الناس هديا وسمتا بعبد اللّه بن مسعود . غزا خراسان وأقام بخوارزم سنتين وبمرو مدة . وكان ناس من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم -