ابن الجوزي

241

القصاص والمذكرين

قال أبو عامر : فقمت مع الرسول حتّى أتى بي إلى قباء ، فأدخلني منزلا رحبا خربا . فقال لي : قف هاهنا حتّى أستأذن لك . فوقفت ، فخرج إليّ فقال لي : لج . فدخلت ، فإذا بيت مفرد في الخربة من جريد النخل . وإذا بكهل قاعد مستقبل القبلة ، تخاله من الوله « 1 » مكروبا ، ومن الخشية محزونا ، قد ظهرت في وجهه أحزانه ، وذهبت من البكاء عيناه ، ومرضت أجفانه . فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام . ثمّ تخلّل فإذا هو أعمى أعرج مسقام . فقال لي : يا أبا عامر ! غسل اللّه من ران الذنوب قلبك . لم يزل قلبي إليك توّاقا ، وإلى استماع الموعظة منك مشتاقا ، وبي جرح نغل « 2 » قد أعيا الواعظين دواؤه ، وأعجز المتطّببين شفاؤه . وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والألم . فلا تأل « 3 » رحمك اللّه في إيقاع الترياق « 4 » وإن كان مرّ المذاق ، فإنّي ممّن يصبر / على ألم الدواء رجاء للشفاء . قال أبو عامر : فنظرت إلى منظر بهرني ، وسمعت كلاما قطعني . فأفكرت طويلا ، ثمّ تأتّى من كلامي ما تأتّى ، وسهّل من صعوبته ما منه رقّ لي « 5 » . فقلت : يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء ، وأجل سمع معرفتك في سكّان الأرجاء ، وتنقّل بحقيقة إيمانك إلى جنّة المأوى ، فترى ما أعدّ اللّه فيها للأولياء . ثمّ تشرف على نار لظى ، فترى ما أعدّ اللّه فيها للأشقياء . فشتّان ما بين الدارين ! أليس الفريقان في الموت سواء ؟ قال أبو عامر : فأنّ أنّة ، وصاح صيحة ، وزفر زفرة ، والتوى وقال : يا أبا عامر ! وقع - واللّه - دواؤك على دائي . وأرجو أن يكون عندك شفائي .

--> ( 1 ) الوله : ذهاب العقل والتحيّر من شدة الوجد . ( 2 ) نغل : فسد . ونغل عليه الجرح : فسد . ( 3 ) في المخطوطة : تألو . والصواب ما أثبتنا . ( 4 ) الترياق : دواء مركب . ( 5 ) كذا في الأصل .