ابن الجوزي

16

القصاص والمذكرين

من المال ، فلما بلغت دفعوا لي عشرين دينارا ودارين ، وقالوا لي : هذه التركة كلها . فأخذت الدنانير ، واشتريت بها كتبا من كتب العلم ، وبعت الدارين ، وأنفقت ثمنها في طلب العلم ، ولم يبق لي شيء من المال ، وما زال أبوك في طلب العلم قط ، ولا خرج يطوف في البلدان كغيره من الوعاظ ، ولا بعث رقعة إلى أحد يطلب منه شيئا قط ، وأموره تجري على السداد ] « 1 » . وعندما كبر كان له مورد جيّد . فقد كان يشتغل بشراء الدكاكين وبيعها كما تدل على ذلك حادثة جرت له أوردها في « صيد الخاطر » . يقول فيها : ( ولقد حضر عندي رجل شيخ ابن ثمانين سنة ، فاشتريت منه دكانا ، وعقدت معه العقد ، فلما افترقنا غدر بعد أيام ، فطلبت منه الحضور عند الحاكم ، فأبى ، فأحضرته ، فحلف باليمين الغموس : انّه ما بعته . . . وأخذ يبرطل لمن يحول بيني وبينه من الظلمة . فرأيت من العوامّ من قد غلبت عليه العادات فلا يلتفت معها إلى قول فقيه ، يقول : هذا ما قبض الثمن فكيف يصحّ البيع ؟ وآخر يقول : كيف يجوز لك أن تأخذ دكانه بغير رضاه ؟ وآخر يقول : يجب عليك أن تقيله البيع . فلمّا لم أقله اخذ هو وأقاربه يأخذون عرضي ؟ ورأى أنه يحامي عن ملكه ، ثم سعى بي إلى السلطان سعاية يخرص فيها من الكذب ما أدهشني ، ويبرطل مالا لخلق من الظلمة ، فبالغوا ، وسعوا ، إلّا أنّ اللّه تعالى نجّاني من شرّهم . ثم إني أقمت عليه البيّنة عند الحاكم . فقال بعض أرباب الدنيا : لا تحكم له . فوقف عن الحكم بعد ثبوت البيّنة عنده . فرأيت من هذا الحاكم ومن حاكم آخر أعلى منه من ترك انفاذ الحقّ حفظا لرياستهم ما هوّن عندي

--> ( 1 ) « لفتة الكبد » 54 - 55 .