ابن الجوزي

11

القصاص والمذكرين

وهو يذكر لنا عن انصرافه الكلّي للعلم ، وعزوفه عن مخالطة الناس فيقول : ( ولقد جرّبت على نفسي مرارا أن أحصرها في بيت العزلة فتجتمع همتي ، ويضاف إلى ذلك النظر في سير السلف ، فأرى العزلة حمية ، والنظر في سير القوم دواء ، واستعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع . فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس ولقائهم تشتت القلب المجتمع ، ووقع الذهول عمّا كنت أراعيه ، وانتقش في القلب ما قد رأته العين ، وفي الضمير ما تسمعه الأذن ، وفي النفس ما تطمع في تحصيله من الدنيا . وإذا جمهور المخالطين أرباب غفلة ، والطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم ، فإذا عدت أطلب القلب لم أجده ، وأروم ذلك الحضور فأفقده ، فيبقى فؤادي في غمار ذلك اللقاء للناس أياما حتى يسلو الهوى . وما فائدة تعريض البناء للنقض فإنّ دوام العزلة كالبناء ، والنظر في سير السلف يرفعه ، فإذا وقعت المخالطة انتقض ما بني في مدة لحظة وصعب التلافي وضعف القلب ) « 1 » . وقد كان عالي الهمة جدّا . ذكر هذا مترجموه وذكره هو عن نفسه فقال : ( ما ابتلي الإنسان قطّ بأعظم من علو همته . فإنّ من علت همته يختار المعالي ، وربما لا يساعد الزمان ، وقد تضعف الآلة ، فيبقى في عذاب . وإني أعطيت من علوّ الهمة طرفا فأنا به في عذاب . ولا أقول : ليته لم يكن ؛ فإنه يحلو العيش بقدر عدم العقل ، والعاقل لا يختار زيادة اللذة بنقصان العقل ) « 2 » .

--> ( 1 ) « صيد الخاطر » 353 ( 2 ) « صيد الخاطر » 238 .