ابن الجوزي

106

القصاص والمذكرين

وممّا قرره ابن الجوزي من الأمور المهمة في مجال الدعوة التنبّه إلى ضغط الشهوات على الناس الذين نريد أن نعظهم . وهذه حقيقة يجب ألّا تغيب عن بال الذين يتصدون للعمل الإسلامي . وقد شبّه المؤلف الشهوات بالنهر أو السيل الجارف ، والتذكير بالسّكر الذي يدفع خطر هذا السيل . فكما أن السكر ينبغي أن يتعاهد من قبل المزارع بين الحين والحين فكذلك يجب ان يتعاهد الداعية الناس بالتذكير وألا يطول الوقت الذي يفصل بين الموعظة والموعظة . لأن تيار الشهوة مستمر كتيار الماء المتدفق باستمرار ، وهو يؤثر تأثير خفيا ، وقد يفاجأ الناس إن تركوا هذا السكر دون تعهد بانهياره في يوم من الأيام . ومما قرره المؤلف من الأمور المهمة في الدعوة كفاية الداعية فقد عقد فصلا في المذمومين من القصّاص ، وذكر نبذة من أخبارهم السيئة ، ثم تعرض إلى مقاصد القصاص فذكر أنّ جمهورهم يطلبون الدنيا ويحتالون بالقصص والوعظ « 1 » . وفي أثناء تقريره هذا المعنى أورد أخبارا تدل على هذا المسلك المنحرف ، وذكر رجلين يشهد هو بفضلهما وصلاحهما ولكنهما كانا مرهقين بالديون ، فاضطرا إلى هذا الطريق المنحرف والموقف المهين . أقول : إن هذا يلفت أنظارنا إلى أمر مهمّ ، ذلك أن أهل العلم ينبغي أن يكونوا مكفيين ، ولا سيما إن كانوا من ذوي العيال . . . فوجود هذه الحوادث الغريبة ، وقيام هذه الظواهر الشاذة التي ننكرها ، نتيجة لأمور وأسباب .

--> ( 1 ) انظر ص 336 من « القصاص والمذكرين » .