أحمد بن محمد ابن عربشاه
99
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ويرقيه إلى سنده ومستنده ، ثم دبر في أموره وأحواله وتفكر في مصيره ومآله ، وخشي أنه ربما أخل بشئ من القواعد ، فأبعد الأدنى وأدنى الأباعد ، أو وضع شيئا في غير محله أو ولّى منصبا غير أهله ؛ وذلك لعدم تدبر أو فساد تصور ، أو نشوز رفيق ، أو فقد مرشد وشفيق ، أو لغرض فاسد من كاشح « 1 » ، أو حاسد ، فيختل نظامه ، ويعوج قوامه ، ويفسد أمره ؛ فيخونه زيده وعمره . وكان للملك أخ بل إنه فخ ، يدّعى المقة « 2 » ، ويظهر أنه ثقة ، وله حنو وشفقة ، فعهد إليه واعتمد عليه ، وسلمه ولده ، وجعله وصيه ومستنده ، وأجلسه مكانه ، وأشهد عليه من رؤساء المملكة أركانه ، أنه إذا توشح ولده بالولاية وآنس منه رشده بالرعية والرعاية ، يجلسه على السرير ويسلمه الكبير من جنده والصغير ، ويكون هو له أحسن وزير وأيمن مشير ، ونظام ملكه ورأس فلكه ، وعضد ساعده وساعد مساعده ، وأتابك « 3 » عساكره ، وعماد الإمرة وأوامره ، فإن نفس ولده في سن جهلها تكون عونا من أعوان رعونة « 4 » الصبا في حزنها وسهلها ، ويؤدى إليه ملكه بمقتضى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [ النساء : 58 ] . فقبل أخوه ذلك منه بقبول حسن ، وتكفل له أنه يأسو جراح الملك على وجه مستحسن ، وأظهر الود والترفق والتملق والترقرق « 5 » والتلهف ، والتأرق والتأسف والتحرق ، وبكى وتأوه ، وشكا وتذلل ، وتمسكن حتى تمكن .
--> ( 1 ) الكاشح : مضمر العداوة . ( 2 ) المقة : اللين السهل . ( 3 ) أتابك : قائد العسكر . ( 4 ) الطيش . ( 5 ) الرقة والحنو .