أحمد بن محمد ابن عربشاه

97

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

قصته ، واستدفع بآرائهم غصته ، ثم تعرّى من لباسه عند الخواص من أناسه ؛ لينظروا إلى جسده وبأسه ، فرأوا بدنا كسبائك الفضة ، وأطرافا ناعمة غضة ، وأعضاء تحسبها من الحور غوانيها مسلمة لا شية « 1 » فيها ، فأجمعوا على سلامتها وذكروا للملك محاسنها بعلامتها ، وشهدوا بحسن صفائها ورونق بهائها ، وأنها سليمة عن الأدواء بريئة من كل داء وكأنه في شأنه قيل : وأعجب ما شاهدت في وصله وقد * نزعنا غلالات وثوب حياء « 2 » تلألؤ نور في ترقرق مائه * وصورة وروح في مثال هواء وإنما لشدة الحسد عاب ذلك الجسد . فقال الملك : صدقتم وبالحق نطقتم ، ولكن كيف وقد قيل : قد قيل ذلك إن صدقا وإن كذبا * فما احتيالك في شيء وقد قيلا ثم قال الملك ؛ لجماعته المنتظمين في سلك طاعته : الذي يدور في معلومى ، ويبرز به مرسومى أن لا يدخل الرشيق ولا يصوب نظره إلىّ ، فإنّى إذا نظرته تذكرت ما قيل واستحضرته ، فتشمئز النفس والخاطر ويتكدر الباطن والظاهر ، ويتشوه وجه العيش الناضر . ثم أمر له بمال جزيل وإقطاع عظيم جليل ، ومنعه من المثول بين يديه والدخول عليه . وإنما أوردت هذه الحكاية المتضمنة لهذه النكاية ؛ لتحيط العلوم الشريفة ، والآراء المنيفة أن بعض المدعين للصداقة وأحكامها بأحكام الوثاقة ، لا يعتمد على دعواهم ، ولا يركن إلى مضمون فحواهم ، فربما تكون صداقتهم من هذا القبيل ، فتؤدى إلى داء ثقيل وغم عريض طويل ، فلا يمكن علاجه ولا يسلك منهاجه ، وأعظم ما في ذلك ما يؤدى إلى المهالك ، وهو

--> ( 1 ) لا عيب فيها . ( 2 ) غلالات ، مفردها غلالة : ما يلبس تحت الثوب .