أحمد بن محمد ابن عربشاه
93
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ولم أورد هذه اللطيفة إلى المسامع الشريفة ؛ إلا ليعلم أن التوانى عن فك العاني وإغاثة الملهوف أمر مخوف ، لا يرغب فيه ذو عقل وبإغاثة الملهوف وأخذ يد الجار ورد النقل ، ولا بدّ من تأمل أعقاب القضايا قبل نزولها ، وطلب طريقة رفعها قبل حلولها ، والخلاص من ورطتها قبل بغتتها . وأسأل من صدقات مولانا الذي بالإحسان أولانا ، الإرشاد إلى عمل طريقة لطيفة نظيفة نقية خفيفة ، تكون عدتي في شدتي مبقية للود بيني وبين إخوتي . قال الملك : نعم ما قلت وحيث في ميدان الصواب جلت ، فاعلم أن في مملكتي ملوكا كبراء ، وأساطين أمراء ، ورجالا وجنودا وأبطالا وأسودا أنا نشأتهم ولنصرة مثلك أعددتهم . كل منهم ذو وفاء ومودة وصفاء ، وباطنه خال من المكر والجفاء ، يقومون معك بأدنى إشارة ويحفظون جانبك من النهب والغارة وخصوصا فلان أمير ممالك خراسان « 1 » ؛ فإنه أفصحهم خطابا ؛ وأمنعهم جنابا ، وأوسعهم في العقل رحابا ، وأشدهم محبة ، وأقربهم مودة وقربة وأوفاهم عهدا وأصفاهم ودا سينجدك في حال اضطرارك إليه ، فلا يكون اعتمادك بعد اللّه إلا عليه ، مع أنى سأعلمهم بجمعهم وآمرهم بإيصال نفعهم وأؤكد عليهم في ذلك فلا يخطر شيء من النكد ببالك . فقبل ولده الأرض ، ووقف في مقام العرض وقال : أيها الملك المجاب إن محبة غالب الأصحاب وصداقة أكثر الأحباب ، ومن يدعى خلوص المودة ويبذل ظاهرا في ذلك جهده ، إنما هي لأغراض وناشئة عن أعراض وأمراض ، فإذا حصل ذلك الغرض ، وزال العرض والمرض ، بردت عن المحبة قلوبهم ، وفرغت من نقد المودة جيوبهم وظهر بالجفاء وعدم الوفاء عيوبهم . ومن جملة ذلك الحسد الذي لم يخل منه جسد ، على نيل مرتبة أو البلوغ إلى منقبة ، وتمنى زوال نعمة المحسود وعدم الرضا بقضاء المعبود ، فإذا لم يحصل المراد تبدل القرب بالبعاد ، والمحبة بالبغضة
--> ( 1 ) خراسان : إقليم يقع حاليا في شرق إيران على الحدود الأفغانية . معجم البلدان ( 4164 ) .