أحمد بن محمد ابن عربشاه
90
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقال أكبر ولده ؛ وهو أسلك محاسنهم وواسطة عقدهم : جزى الله مولانا عن شفقته خيرا ، وأولاه على حسن النصيحة أجرا وذخرا ، فلقد أحييت قلوبا بزواهر حكمك ، وشنّفت أسماعا بجواهر كلمك ، ولكن إخوتي وإن كانوا من أولى العلم وأرباب النباهة والحلم ؛ والعقل الغزير والفضل الجم الكثير ، والرأي المصيب المنير ، غير أن حدة الشباب عليهم غالبة ، ودواعي النفس بشهواتها مطالبة ؛ لا سيما إن حصلوا على ملك عريض ، وكرعوا من ألبانه المخضّ والمخيض « 1 » . فإن اتفق مع ذلك موافق منافق ، أو صاحب ممارق ، أو صديق خدوع ، أو مباطن مكار هلوع ، أضلهم عن سواء السبيل وصار إلى طريق المخالفة أوضح دليل ، فتتحوّل صداقتنا عداوة ، وتتبدّل فيها بالمرارة الحلاوة ، فينتزع الرخاء ويتمزع الإخاء ، ويبغى بعضنا على بعض ، وتعود الإخوة على موضعها بالنقض ، ويتولد من ذلك الفتن ، ويظهر من العداوة ما بطن ، فالرأي عندي أنه ما دام زمام التصرف في يد الإمكان يتصرف مولانا السلطان على مقدار جهده في مصلحة عبده ؛ بحيث لا أكون مضغة للماضغ ، ومشغلة لكل قلب فارغ ، ولا يسلمني لأسباب الحوادث ومخالب الدهر الكوارث ، فإنه بذلك يكفيني من نوائب الزمان ما يدهينى ، والعياذ بالله المنان من مفارقة مولانا السلطان جعلني الله تعالى فداءه ولا أراني فيه يوما أساءه ، فليأخذ بيدي من هذه الورطة ، وليرحنى من شر هذه الخطة ، فإنه قد قيل : من لا يقيل المستقيل ولا يغيث المستغيث ، ولا يتقيد بمعنى هذا الحديث ، ولا يدفع غصة هذه القصة ويفوّت عند الإمكان الفرصة ، يصيبه من حوادث الزمان ما أصاب بعض الجرذان الذي لم يخلّص الغزالة الواقعة في شرك الحبالة « 2 » . قال السلطان : قل لي كيف كانت قصته وما كانت قضيته .
--> ( 1 ) الزبد . ( 2 ) شبكة الصياد .