أحمد بن محمد ابن عربشاه
87
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
التسبيح والأذكار ، وغدت من أحسن الأمصار ، وبنوا حواليها الضياع والقرى ، وزرعوا منها الوهاد والثرى ، ثم أرسل إليها ما كان عنده من الخزائن ، ونفائس الجواهر والمعادن ، وأرسل من ظريف التحف إليها ومن حاجاته المعوّل عليها ؛ بحيث لو أقام بها سنين قامت بكفايته وفضلت خزائنها عن حاجته ، وأكثر من إرسال . يلزم من الأدوات والأشربة والمطعومات ، وجهز الخدم والحشم ، وصنوف الاستعدادات من النعم ، فما انقضت مدة ملكه ودنت أوقات هلكه إلا ونفسه إلى مدينته تاقت ، وروحه إلى مشاهدتها اشتاقت ، وهو مستوفز « 1 » للرحيل ورابض للنهوض والتحويل . فلما تكامل له في الملك العام ، لم يشعر إلا وقد أحاط به الخاص والعام ممن كان يفديه بروحه ؛ من خادمه ونصوحه ومن كان سامعا لكلمته من أعيان خدمه وحشمته ، وقد تجردوا لجذبه من السرير ، ونزع ما عليه من لباس الحرير ، ومشوا على عادتهم القديمة وسلبوه الحشمة الجسيمة ومملكته العظيمة ، وزالت الحشمة والكلمة والحرمة ، وشدوا وثاقه وذهبوا به إلى الحرّاقة « 2 » ، ووضعوه وقد ربطوه في المركب الذي هيئوه ، وأوصلوه إلى ذلك البر من البحر . فما وصل إليه إلا وقد أقبلت خدمه عليه ، وتمثلت طوائف الحشم والناس لديه ، ودقت البشائر المقدمة وحل في سروره المقيم ونعمه ، واستمر في أتم سرور واستقر في أوفر حبور . ثم قال الملك للأولاد وفلذ الأكباد : وإنما أوردت هذا المقال ؛ على سبيل المثال فاصغوا إلى حسن التنظير حتى أبين لكم النظير ، وعوا ما أقول بآذان القبول ، وتأملوا رموز المعاني من هذه الألفاظ التي خجلت المثاني « 3 » ، ثم تفكروا وتبصروا وبعد التذكر والتبصر تدبروا .
--> ( 1 ) تهيأ . ( 2 ) السفينة . ( 3 ) آيات القرآن ، وخجلت المثاني مبالغة في روعة وجمال المعاني .