أحمد بن محمد ابن عربشاه

84

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الحسنة ، فإذا انقضى الأجل المعدود وجاء ذلك اليوم الموعود ، عمدوا إلى ذلك السلطان ، وقد صار فيهم ذا مكان ومكان ، وعلقة ونشب « 1 » وإخاء ونسب ، وثبتت له أوتاد وصار له أهل وأولاد ، وجروه برجله من التخت وسلبوه ثوب العزة والرخت « 2 » ، وألبسوه ثوب الذل والنكال ، وأوثقوه بالسلاسل والأغلال ، وحمله الأهل والأقارب ، وأتوا به إلى بحر قريب فوضعوه في قارب ، وسلموه إلى موكّلين ليوصلوه إلى ذلك الجانب ، فيوصلونه إلى ذلك البر وهو قفر « 3 » أغبر ، ليس به أنيس ولا رفيق ، ولا جليس ولا صديق ، ولا زاد ولا ماء ، ولا نشو « 4 » ولا نماء ، ولا مغيث ولا معين ، ولا قريب ولا قرين ، ولا قدرة ولا إمكان على الوصول إلى العمران ، ولا ظل ولا ظليل ولا إلى الخلاص سبيل ، ولا إلى طريق النجاة دليل ، فيستمر هناك عريانا وحيدا فريدا طريدا ؛ إلى أن يهلك عطشا وجوعا لا يملك إقامة ولا يستطيع رجوعا . ثم يستأنف أهل هذه البلاد ما لهم من فعل معتاد ، فيخرجون بالأهبة الكاملة إلى تلك الطريق السابلة ، فيقيض الله تعالى لهم رجلا فيفعلون معه مثل ما فعلوا مع غيره قولا وعملا وهذا دأبهم وديدنهم « 5 » وقد ظهر لك ظاهرهم وباطنهم . فقال ذلك الغلام الأملح لذلك الوزير المصلح : فهل اطلع أحد ممن تقدم على عاقبة هذا المأتم . قال : قد عرف ذلك وتحقق أنه عن قريب هالك ولكن غرور السلطنة يلهيه ، وسرور التحكم والتسلط يطغيه ، وحضور اللذة الحاصلة لسواء العاقبة

--> ( 1 ) التعلق المتأصل . ( 2 ) الملك والسلطة . ( 3 ) الخلاء من الأرض ، لا ماء فيها ولا ناس ولا كلأ . ( 4 ) الخلق . ( 5 ) عادتهم الغالبة .