أحمد بن محمد ابن عربشاه
82
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وألسنة بالثناء تنطق ، حتى إذا وصلوا إليه تراموا عليه وأكبوا بين يديه يقبلون يديه ورجليه ، مستبشرين برؤيته متبركين بطلعته ، ثم ألبسوه الخلع السنية وقدموا له فرسا علية بكنبوش « 1 » من ذهب ، وسرج مغرق ، ووضعوا له التاج على المفرق ، ومشوا في الخدمة بين يديه والجنائب « 2 » في الموكب تجر لديه ، ينادون حاشاك وإليك ، سلطان الناس قادم عليك ، حتى وصلوا إلى المدينة ودخلوا قلعتها الحصينة ، ففرشوا شقق الحرير ونثروا النّثار الكثير وأجلسوه على السرير وأطلقوا مجامر الند « 3 » والعبير ، ووقف في خدمته الصغير والكبير والمأمور والأمير ، والدستور « 4 » والوزير وأنشدوه : قدمت قدوم البدر بيت سعوده * وأمرك فينا صاعد كصعوده وقالوا : اعلم يا مولانا إنك صرت لنا سلطانا ، ونحن كلنا عبدك وتابع مرادك ومريدك ، فافعل ما تختار ، وتحكم في الكبار منا والصغار ، وأمر مالك من مرسوم فامتثاله علينا محتوم ، وما منا إلا له مقام معلوم . فجعل يتفكر في أمره ومبدأه ويتأمل ما صار إليه ويتدبر في منتهاه . فقال : إن هذا الأمر لا بدّ له من سبب ، ولا بدّ له من آخر ومنقلب ، فإنه لا يصدر في عالم الكون سدى ، وإن لهذا اليوم من غير شك غدا ، وإن الصانع القديم القادر الحكيم السميع العليم ، البصير الحي المريد الكريم ، لم يقدر هذه الأفعال على سبيل الإهمال ، ولم يحدث حدثا لعبا ولا عبثا . وجعل هذه الأفكار آناء الليل وأطراف النهار وهو مع ذلك قائم شكر النعمة ، ملازم باب مولاه بالطاعة والخدمة ، واضع الأشياء في محلها ،
--> ( 1 ) الكنبوش : البرذعة للدابة . ( 2 ) الخيل القوية . ( 3 ) بخور طيب الرائحة . ( 4 ) المشير .