أحمد بن محمد ابن عربشاه
76
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فتزودت بما وصلت إليه اليد ، وما أخرت عمل اليوم إلى الغد ، ولم تلهني الغفلة ولا إرخاء المهلة عن الاستحضار لساعة الرحلة ، بل لم أزل للرحيل مستوفزا ، وللتحول والانتقال متجهزا ، وأنا اليوم عنكم راحل وسفينة عمرى أرست بالساحل ، وهذا سفر لا رجعة فيه ولا عودة لمسافركم إليكم تثنية ، وهذا أمر محتوم ، وقدر معلوم ، وقضاء قدره في الأزل رب لا يزال ولم يزل سلطان ملكه لا يبيد وكل الملوك تحت أمره عبيد ، لا راد لما قضاه ، ولا مانع لما أمضاه ، ولا هاد لما بناه ، ولا صاد لما سوّاه ، حكم بالموت على مخلوقاته وساقه ، لا باب قوة في ردّه ولا طاقة ، وقد خفف من وجدى أن لي مثلكم يجدى ، وإنكم خلفي ومحيو سلفى ، وفيكم من يقوم مقامي ، ولا يمحو أيامى ولا يدرس آثاري ولا يطفئ نار أنوارى ، وها أنا أعهد إليكم وأستخلف الله عليكم ، وإن كنتم إلى الوصية غير محتاجين ، ولكن الذكرى تنفع المؤمنين . واعلموا أن أزكى زهر تتنور به بصائر النقل في رياض العبودية ؛ ورد الشكر ، وأزكى عطر تتعطر به مجامر العقل « 1 » في غياض الحرية ورد الفكر ، وأن الشكر قيد النعم ، وسبب لازدياد الفضل والكرم ، قال الله تعالى وجل جلالا لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ إبراهيم : 7 ] . وقد قيل من شكر القليل استحق الجزيل ، وإن الفكر يعلى المقامات ويعطى الكرامات ، واحتملوا الأذى تأمنوا ، ولا تهنوا « 2 » النائبة ولا تحزنوا ، ولا تظنوا الجود والكرم في التبذير ، والبخل والتقتير من جملة التدبير . فقد نصب للأعلام أعلاما من قال عز مقاما وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان : 67 ] . وقال جل مخبرا وخبيرا وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً [ الإسراء : 29 ] .
--> ( 1 ) المجامر ، مفردها المجمرة : ما يوضع فيه الجمر ، أو المبخرة . ( 2 ) تستهينوا .