أحمد بن محمد ابن عربشاه
64
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
كل مرة تسلم الجرة ، والأليق بالحال الترحال ، وطلب الرزق بالتوكل والرفق ، والذي شق الأشداق تكفل لها بالأرزاق ، وإن إله الخلق لم يعذب بقطع الرزق . ثم إنه افتكر في جهة السفر وأين تكون المستقر ، وكان لأبيه الذميم ذئب وهو صاحب قديم ، ساكن في بعض الغياض المجاورة للدّرج « 1 » والرياض ، فتوجه إليه وترامى عليه ، وتوسل بصحابة أبيه لديه ، وقال : صداقة في الآباء قرابة في الأبناء وذكر له حاله وما جرى له ، وأن جاره خانه ولم يرع حقه ومكانه ، فقصد أن يكون تحت ظله نازلا في محله ؛ ليفوز بمجالسته ويحظى بمؤانسته ، ويقضى باقي عمره في خدمته ، ولا يفارق وفاءه حتى يحصل في حفرته ، فتلقاه بالقبول والإقبال ، والفضل والإفضال ، والبشر والبشاشة ، واليسر والهشاشة « 2 » ، وبسط له فراشه ، وأزال قبضه وانكماشه ، ودهشته واستيحاشه ، وألبسه رياشه « 3 » ، وتذكر والده وجدد معاهده ، وأسدى إليه من إحسانه ما أنساه ذكر أوطانه ، خصوصا جوار جاره وبستانه وأنشده بديها : فأهلا بمحبوب قديم وداده * وسهلا بمن قد كان والده أبى تحكم على مالي وروحي ومسكنى * وأهلي وأولادي وجاهى ومنصبى ولم يكن عند الذئب ما يطعمه ضيفه ويشبع جوفه ، فاستعد للكياد « 4 » ، وعزم على الاصطياد . فقال ابن آوى : أين تريد وتتركني وأنا وحيد . فقال : أمنت خوفك فأريد أن أشبع جوفك ، ومن المعلوم أن عدم الضيافة لوم .
--> ( 1 ) الطريق . ( 2 ) الانبساط . ( 3 ) الثياب الفاخر . ( 4 ) المكر والخبث .