أحمد بن محمد ابن عربشاه

62

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وهو لحسن السماع غافل ؛ إلا والراعي بالعصا على قفاه نازل ، فرأى الغنيمة في النجاة وأخذ في طريق النجاة ، وترك الجدى وأفلت ونجا من سيف الموت المصلت ، وصعد إلى تل يتلفت بعد إذ تفلت فأقعى « 1 » يأكل يديه ندامة ، ويخاطب نفسه بالملامة ، وقال أيها الغافل الذاهل والأحمق الجاهل متى كان على سماط « 2 » السرحان الغناء والأوزان ، وأي جدّ لك فانى ، وأب مفسد جانى ، كان لا يأكل إلا بالأغانى وعلى صوت المثالث والمثاني « 3 » ، فلولا أنك ما عدلت عن طريقة آبائك ما فاتك لذيذ غذائك ، ولا أمسيت جائعا تتلوى ، وبجمر فوات الفرصة تتكوى ، وبات يحرك ضرسه ونابه ، ويخاطب نفسه لما نابه ويقول : وعاجز الرأي مضياع لفرصته * حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا وإنما أوردت هذا النظير ؛ لمولانا الملك والوزير ؛ ليعلم أن العدول عن طرائق الأصول ليس إلا داعية الفضول ، ولا يساعده معقول ولا منقول ، وأموره ذميمة وعاقبته وخيمة ، وناهيك ما هو كالعلم ، ومن يشابه أبه فما ظلم . ويؤخذ من مفهوم هذه الحكم : أن من لم يشابه أبه فقد ظلم ، خصوصا الملوك والسلاطين ، الذين اختار رفعتهم ربّ العالمين ؛ وذلك لئلا يدخل على قواعد المملكة من حركات الاختلال والاختلاف حركة ولله يا ذا الإحسان ما قيل في شأن الملك أنوشران : لله در أنوشروان من رجل * ما كان أعرفه بالوغد والسفل نهاهم أن يمسوا عنده قلما * وأن يذل بنو الأحرار بالعمل وكل هذا من عدم التدبر والتأمل في العواقب والتذكر ، ومن ترك التأمل والافتكار أصابه ما أصاب ابن آوى مع الحمار . فقال الملك : أفدنا أيها المختار كيفية هذه الأخبار .

--> ( 1 ) جلس على مؤخرته . ( 2 ) بساط الطعام . ( 3 ) المثالث والمثاني : الألحان التي تعزف على العود ذي الوترين والثلاثة .