أحمد بن محمد ابن عربشاه
572
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فأمرت بهدم البلد وإحراق ما فيها من آلات وعدد ، فدكوها دكا وأعدموها سبكا وسفكا ، وتصرفت أيدي النوائب فيها فتكا وبتكا ، ثم أن تولى لوى العنان وقصد هراة « 1 » من خراسان ، فأخذها بالأمان ولم ينج من ذلك الطوفان سوى تلك الكورة « 2 » ، واستمرت تحت أوامرهم مقهورة ، وأمهات بلاد خراسان ومقر سرير السلطان ، كانت أربعة أمصار كل ذات اعتبار ، جليلة المقدار نيسابور ، وقد صارت بور ، وبلخ وقد كسيت من البوار ثوب سلخ ، ومروالرود وقد انمحت من الوجود ، ولم يفز بالنجاة إلا بلدة هراة وسائر الأمصار شملها البوار ، ولبست من خلع الدثور والدثار ، وكل منها مصر جامع ، وبرها بحر واسع وبحرها كصدر البر مداه شاسع . وأما القرى والقصبات والرساتيق والمزدرعات « 3 » ، فأكثر من أن تحصر أو تضبط بحساب دفتر ، فأبيد ذلك كله وأبير فالحكم لله العلى الكبير ، كل ذلك في أدنى مدة وأوهى رقدة وما ذكر ذرة من طور وقطرة من بحور ، فسبحان من لا يسأل عما يفعل . ثم إن جنكز خان الهامة الهامية ، والفتنة الطامة الطامية ، لما علق به المرض وحصل له في خراسان العرض ، رجع إلى بلاده واستمر مرضه في ازدياده ولم يزل على ذلك حتى أورد سبيل المهالك ، وتسلم روحه الخبيثة مالك « 4 » ، وحين أيس من الحياة وقنط من رحمة الله ، جمع المعتمد عليه من أولاده المشاركين له في عتوه وفساده ، وهم جفتاى وأوكتاى وأوليغ نوبين
--> ( 1 ) هراة : مدينة عظيمة مشهورة من أمهات مدن خراسان فيها بساتين كثيرة ومياه غزيرة وخيرات كثيرة محشوة بالعلماء ومملوءة بأهل الفضل والثراء . معجم البلدان ( 12664 ) . ( 2 ) الكورة : القرية الصغيرة . ( 3 ) الرساتيق : القرى الصغيرة . والمزدرعات : الأماكن المزروعة والحقول . ( 4 ) أي ملك الموت .