أحمد بن محمد ابن عربشاه

557

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وموج بحر الدواهي التطم ، ومن لم يدرك من العرق نفسه ارتطم ، شمروا الذيل وخرجوا تحت الليل وقصدوا جيحان « 1 » والعبور إلى خراسان ، ومقدمهم من أمراء السلطان كور خان ، وسونج خان ، وحميد النوري ، وكوحلى خان . فبينما هم على نهر جيحون قاصدين العبور ، صادفتهم طلائع جنكز خان الكفور ، فوضعوا السلاح فيهم ومحوهم عن بكرة أبيهم ، فما أبقوا منهم عينا ولا أثرا ، ولا سمع لهم أحد خبرا ، فوهى أمر البلد إذ لم يبق لهم مدد ، فطلبوا الأمان وأرسلوا لذلك القاضي بدر الدين بن قاضى خان ، فأجابهم إلى ذلك ، وأناب فاطمأنوا وفتحوا الأبواب ، فدخلوا المدينة يرفلون وهم من كل حدب ينسلون ، فعصى بقية العسكر في القلعة وتصوروا أن يكون لهم منه منعة ، ففي الحال أمر الرجال بطم الخندق « 2 » بكل ما وجدوا جل أو دق ، فأتوا بنفائس الأقمشة والذخائر المدهشة ، والكتب والربعات ، والمصاحف الشريفة والختمات ، وطرحوها في الخندق ومشى العسكر عليها وتسلق ، ونقبوا النقوب وانفذوا الثقوب ، وكان قد نادى بالأمان للقاصى والدان ، فعجزت القلعة وذهب ما بها من منعة ، وكان فيها فئة نحو من أربعمائة ، فباشروا الحرب دوما نحو اثنى عشر يوما ، فأخذوا عنوة بالأنقاب وفتح لهم من كل جهة باب ، فقتلوا من بها عن آخرهم ، واستولوا على باطنهم وظاهرهم . ثم مدوا أيديهم إلى المخدرات وفجروا ظاهرا بالمسترات ، وجعل الناس ينظرون ويبكون ، وهم يفتكون وينكبون لا يستطيعون دفعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا ، فاجتمع من أئمة الدين ومن أعلام العلماء المهتدين ، ومن لم يرض

--> ( 1 ) جيحان : نهر بالمصيصة بالثغر الشامي ومخرجه من بلاد الروم ومصبه في بحر الشام . معجم البلدان ( 3391 ) . ( 2 ) أي أمرهم أن يملؤه عن آخره .