أحمد بن محمد ابن عربشاه
552
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
العمر ، ولم يسمع بمثل هذا القتال ولا بنظير هذا الضراب والنضال ، في سالف الأزمنة والأعصر الخوال ، وما أمكن تولى إحدى الطائفتين ، ولا نكوص جهة من الجهتين . وأما طائفة المسلمين فلحمية الدين ، ولو ولوا الأدبار لما أبقت التتار ، لبعد الديار وصعوبة القفار ، منهم نافخ نار ، وأما الكفار فللغيرة على ذوات الأستار واستخلاص الأطفال والصّغار من قيد الذل والصّغار ورق الإسار ، فصارت الخضراء غبراء والغبراء حمراء ، والصحراء بحرا والقتلى تلا ، والجرحى ترحى « 1 » ، ولم يثبطهم عن استيفاء القتال غير انحلال الأعضاء والكلال ، فانفصلوا وما انفصلوا وانقطعوا بعد ما اتصلوا ، وحلوا بعد ما كلوا ، وتراجع كل عن صاحبه بعد ذوبان قلبه وقالبه ، واستفراغ جهده بما وصلت إليه غاية كده . ثم استوفى ناظر القضاء ما أورده عامل الفناء من سهم المنون إلى ديوان برزخ إلى يوم يبعثون ، من أرواح الشهداء الأبرار ، وأنفس الأشقياء الكفار الوارد من تلك المعركة الساكن من حركات هاتيك التهلكة ، فكان من المسلمين عشرون ألفا ، ومن الكفار كذا وكذا ضعفا ، غير أنه لم يمكن حصرهم ولم يعرف قدرهم ، فلما كانت الليلة الرابعة وهي الليلة الفارقة القاطعة أو قد كل من الفريقين في منزله النار ، وأكثر من القبائل في المنازل والآثار وتركها وسار ، فوصل السلطان من بلاد تركستان ، وقطع سيحون نهر خنجد « 2 » ، ووصل إلى بخارى وسمرقند ، وشرع في تحصين البلاد والقلاع والاحتفاظ بمدن الممالك عن الضياع ، وقد سكن الهم فؤاده ، ونهب
--> ( 1 ) الترح : الحزن والهم . ( 2 ) نهر خجند : يقع في وسط مدينة خجندة ، هي بلدة مشهورة بما وراء النهر على شاطئ سيحون . معجم البلدان ( 4138 ) .