أحمد بن محمد ابن عربشاه
551
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
العصبية ، وتنادوا يا للغارات وطلب الثارات ، وتناجى منهم حماة الحقائق وكماة « 1 » المضايق ، وتتبعوا في الحال آثار الرجال ، من غير إهمال ولا إمهال ، وسلكوا الآثار لأخذ الثار ، وأكبوا كالبرق الخاطف ، وزعقوا كالرعد القاصف ، واندفعوا كالريح العاصف ، واندفقوا كالسهم الناقف ، ودهموا كالليل المدرك وهجموا كالسيل المهلك ، فأدركوا عساكره بشرور ثائرة ، ومراجل صدور « 2 » بالضغائن فائرة ، فلم يشعروا إلا العدو المضرم غشيهم كالقضاء المبرم ، فألوت عساكره ، وقابلت واستعدت وقاتلت ، والتفت الرجال بالرجال وضاقت ميادين المجال ، واستمرت ضروب الحرب بينهم سجال ، وتطاولت سهام الموت لقصر الآجال ، وتهللت ثنايا المنايا لبكاء السيوف ، وتبسمت ثغور الرزايا لفتوح الحتوف « 3 » ، واستمرت ديم السهام من غمام القتام على رياض الصدور تهمى « 4 » ، ولوامع بروق السيوف على قمم تلك الصفوف بعد الوابل الوسمى « 5 » بالصواعق ترمى ، ثم انتقلوا من معاشقة المراشقة ، إلى مراشقة المعانقة ، ومن مكالمة المضاربة إلى ملاكمة الملاببة « 6 » ، ومن مخادعة المقارعة إلى مسارعة المصارعة . وامتدت بهم الحال في هذا القتال والجدال ثلاثة أيام مع الليال ، لا يسأمون الطعن والضرب ، ولا يملون مباشرة الحراب والحرب ، إلى أن جرى من الدماء طوفان ، وكاد يظهر سر كل من عليها فان ، كل ذلك وكاتب البيض والسمر ، يستوفى من أقلام الخط في صحائف الصفائح مستوردات
--> ( 1 ) كماة ، مفردها كمي : الفارس المسلح . ( 2 ) أي صدورهم تغلى وتفور بالحقد والبغض . ( 3 ) الحتوف ، مفردها حتف : الموت . ( 4 ) أي تضيق . ( 5 ) الوسمى : أول المطر . ( 6 ) الملاببة : أخذ بتلابيبه أي صارعه وقاتله .