أحمد بن محمد ابن عربشاه
546
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فغضب جنكز خان وتحرك منه باعث العدوان ، ثم تثبت في أمره وتلبث في فكره ، وأرسل إلى السلطان رسالة فيها تهديد وبسالة ، وكان السلطان خوارزمشاه لما أبدى هذا الخطا وأنهاه ، طير مراسيمه إلى أطراف الممالك يأمرهم بالمحافظة على دربندات المسالك « 1 » ، ويحرض ولاة الأمور وأصحاب الإدراك في المضايق والثغور ، والطلائع والأرصاد على منع القصاد ، وكف من يخرج من تركستان إلى صوب ممالك جنكز خان ، ثم أرسل من جهته جواسيس يختبر أحوال ذلك الإبليس ، وينظر أموره وأوضاعه ومقدار عسكره وأمرهم في الطاعة ، وما قصده أن يفعل ليستعد له بحسب ما يعلم منه ويعمل . فتوجهت جواسيس السلطان وطال في غيبتهم الزمان ، وقطعوا الجبال والقفار ، وسلكوا المفاوز والأوعار ، حتى وصلوا إلى بلاده وفحصوا عن أمره واستعداده ، وخبروا أمر جنده وعتاده ، وأوضاع عسكره وتعداده ، فرجعوا بعد مدة مديدة وأزمان وأخبروا بما حققوه السلطان ، وأن عدد عساكره يفوت الإحصاء ، ويخرج عن دائرة الاستقصاء وأنهم أطوع البرية للملك ، وأثبت جنانا من الأسد المنهمك ، وأصبر جندا على القتال كأن أمر الهزيمة عندهم محال ، وأنهم إذا وثبوا أو حاربوا ، أو سالبوا أو لاسبوا « 2 » ، أو رابضوا أو ضاربوا ، خابطوا ثم خاطبوا بقوله : ونحن أناس لا توسّط بيننا * لنا الصّدر دون العالمين أو القبر وأنهم لا يحتاجون في الأسفار ولا عند مقاحمة الأخطار إلى كثير مئونة ولا كبير معونة ، بل كل منهم ينهض باحتياجه واحتياج مركوبه إلى إلجامه وإسراجه ، ويستبد بعمل سلاحه وجميع ما يستعين به سفرا وحضرا في صلحه وصلاحه ، ونطاحه وكفاحه ، وكذلك ملبوسه وزاده ، وسائر أهبته وعتاده .
--> ( 1 ) أي من يحرسون حدود المملكة وأبوابها والطرق المؤدية إليها . ( 2 ) لاسبوا : أي ضربوا بالسوط .