أحمد بن محمد ابن عربشاه
542
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقال : ما ذا رأيتم في الخزائن من نفائس البحار والمعادن ، فقالوا : مالا يصلح إلا في خزائنك ، ولا ينثر على فرق « 1 » ملوك المشارق والمغارب إلا من مكامن معادنك ، فقال : ما بايعناكم فأرغبناكم ، ولا أكرمناكم إذا صحبناكم بناء على انا عادمون ، ولا أنا بقيمة الأشياء وقدرها جاهلون ، وإنما فعلنا ذلك الإحسان وجبرنا منكم النقصان لعدة معان ، أحدها : أنكم أضيافنا وقد شملكم كرمنا وإنصافنا ، ثانيها : أن فضلنا الفضيل يقتضى إكرام النزيل ، ثالثها : إنكم مسلمون والمسلمون عندنا مكرمون ، رابعها : أردنا اشتهار اسمنا وأن تذكر في الأقطار طريقة رسمنا ، خامسها : أنه إذا سمع بمعاملتنا التجار يقصدون بلادنا من الأمصار وسائر الآفاق والأقطار ، فتعمر المسالك والدروب ويربح الطالب والمطلوب ، سادسها : وهو أعلاها وأحسنها وأقواها أنكم أملتمونا وافدين وأنا لا نخيب رجاء القاصدين . ثم سرحهم شاكرين ولما سمعوا ورأوا ذاكرين ، ثم اقتضت الآراء فأمر الأمراء وأكابر بلاده ورؤساء أجناده ، أن يجهز كل منهم إلى الجهات الغربية والولايات الاسلامية من جهته أحدا من المسلمين ، ببضائع من أمتعة الخطا والصين في صفة التجار ليتعاملوا في هذه الديار ، وتنفتح المسالك على السالك وننقل إليهم بضائع هذه الممالك ، وتكثر المعاملات وتنجد الممالك والولايات ؛ فامتثلوا مراسيمه وعدوها غنيمة ، ويجهز كل منهم من جهته من وثق بأمانته واعتمد على كفايته ، وأعطاه من النقود والأجناس ما يصير به من رؤساء الناس ، واجتمعوا قافلة وركبوا السابلة « 2 » نحو أربعمائة وخمسين نفرا كلهم مسلمون كبرا ، وكتب لهم مراسيم وجائزات بإكرام نزلهم في الدروب والمجازات ، ومعاملتهم بالكرامات ، وأن تهيأ لهم ولدوابهم الإقامات ، ذهابا وإيابا حضورا وغيابا .
--> ( 1 ) الطائفة من الناس . ( 2 ) السابلة : الطريق المسلوكة . يقال : سبيل سابلة ، أي طريق مسلوكة .