أحمد بن محمد ابن عربشاه

537

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ربيته بين سحرى ونحرى ، وغذيته بدم صدري وظهري ، فقتله قصدا وأضاعه عمدا ، من غير سبب تقدم إليه ، ولا إيذاء اجترأ به عليه ، فينسبه إلى الاجترام ويأخذ ديتها منه بالاغترام . وقس على هذا اليسير أنواعا من الكثير ، ومن نتن هذه البعرة على خرافة البعير ، ومن هذه القواعد أمر الأقارب والأباعد بما يستصوبه العقل ، ويستنتجه النقل ، من سلوك طريق الفتوة ومعاملة الخلق بالمروة والكرم والإحسان ، والمداراة مع كل إنسان ، والكف عن الظلم والغارات ، اللهم إلا في طلب الثارات . ثم وضع طرق المكاتبات والمراسلات والمشافهات والمخاطبات ، فكان في المكاتبات طريقة رسمه أن لا يزيد على وضع اسمه ، مثل أن يقول في أول الكتاب وبراعة استهلال الخطاب ، عند ابتداء المقال بعد عدة أوصال ، جنكز خان كلامي ، ثم يكتب تحته من نصف السطر الثاني إلى فلان ليفعل كذا ، ولا يتعلل بأن وإذا ، ثم يذكر مخ المقصود بطريق معهود ، بين العبارات من غير مجازات واستعارات ، ويختم بذكر الزمان واسم المنزل والمكان ، وإذا استدعى أحدا إلى الطاعة وملوك السنة أسوة الجماعة ، فإنه يتجنب التهويل والتهديد ، ويتحامى عن التشريد والتشديد ، ويرغب بالوعد ويترك الوعيد ، ثم يقول : إن سمعتم وأطعتم فزتم وغنمتم ، وإن أبيتم وتماديتم فليس أمر ذلك إلينا ولا درك علمه علينا ، يرى فيكم الخالق القديم رأيه فإن في تقديره وتدبيره كفاية ، فهذه القاعدة باقية في تلك الفئة الباغية مستمرة على الدوام ، وإلى هذه الأيام جارية على هذا النمط يكتبون اسم الخان والخاقان فقط ، وكذلك الأمراء والوزراء والمباشرون والكبراء ، يكتبون في أول الكتاب فلان لا كنية ولا جناب ، وهكذا إلى الأكابر من الأدانى يذكرون اسم الكبير ووظيفته فلان لا الفلاني .