أحمد بن محمد ابن عربشاه
534
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
والمجاهل « 1 » ، وائتلفت تلك الطوائف والأمم وانتشر صيت عدلها في العرب والعجم ، واخترع كما ذكر أنواع سياسات ، وقرر للمملكة قواعد بنيان وأساسات ، ألف بها بين تلك الطوائف فلم ير بينهم مخالف ، ولا غير مؤالف على سعة ممالكهم واختلاف مسالكهم ، وتعدد أديانهم وتفاوت كيل أخلاقهم وميزانهم ، فإنهم كانوا ما بين مسلمين ومشركين ومجوس وأرباب ناقوس ويهود ، ومن لا يدين لمعبود ، وصباه وغواه ، وعباد الشمس والنجوم ، ومن يسجد لها أوان الرجوم ، وكل منهم يتعصب لمذهبه ويغض من مذهب صاحبه ، فلم يتعرض لأحد في دينه ولا وقف له في طريق اعتقاده ويقينه . وأما هو فلم يتقيد بدين لا كافر مع الكافرين ، ولا ملحد مع الملحدين ، ولا يتعصب بملة من الملل ، ولا يميل لنحلة من النحل ، بل يعظم علماء كل طائفة ، ويحترم زهاد كل ملة على دينها عاكفة ، وبعد تلك الخصلة قربه « 2 » حيث يعظم كل دين وحزبه ، وكل من اختار من أولاده ، وأسباطه وأحفاده ، وأمرائه ورعيته ، وأجناده دينا من الأديان ، لا يعترض عليه أي دين كان ، فبعضهم كان مسلما حنيفيا وبعض كان يهوديا ، وبعض نصرانيا ، وبعض مجوسيا ، إلى غير ذلك من الإلحاد والزندقة وعدم الاعتقاد ، وحيث لم يتعرضوا إلى دنياه ولا نازعوه ملكه الذي تولاه ، لم يشاققهم في دينهم ولم يوافقهم في يقينهم . واخترع هو لنفسه في الملك قواعد حمل عليها المقارب والمباعد ، ثم لما لم يكن له كتاب ولا خط ، ولا لأولئك الحروف فلم يعرفون به قط ، أمر أذكياء قبيلته وعقلاء مملكته ، أن يضعوا له خطا وقلما يكون لهم علما وعملا ، فوضعوا له قلم المغل ، واشتغلوا به أهم شغل ونسبوه إلى قبيلته ،
--> ( 1 ) المجاهل ، مفردها المجهل : المفازة لا أعلام فيها أو لا يهتدى فيها . ( 2 ) أي قربه من فعل الخير والعمل الصالح .