أحمد بن محمد ابن عربشاه

530

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

مواجهته لوفور جماعته وكثرة حاشيته ، فإن أوتاده كانت ثابتة وغراس هيبته كالأرزة « 1 » نابتة ، وفروع دوحة عصباته قد أحاطت بالملك من كل جهاته ، حتى قيل : إن ذلك الثقيل كان له من القرابات وذوى الأرحام والعصبات والأولاد والأحفاد ، ما جاوز في التعداد عشرة آلاف نسمة ، كل له حرمة وكلمة ، فأضمر له السلطان البيات ، لذلك من عسكره أولى الثبات والأثبات الثقات ، ولم يختلف عليه في ذلك اثنان لأنه كان قد استحكم فيهم منه الشنآن « 2 » ، وعلموا أن سهم مكرهم نفذ ، وحسام فكرهم في قطعه فلذ « 3 » ، ورأوا من الرأي أرصنه أن يراقبوا لحتفه مكمنه ، فتواعدوا على ليلة معينة يدهمون فيها مأمنه ، وكان عند الخان صبيان محرمان لا يؤبه إليهما ولا يعول في الأمور عليهما ، يدعى أحدهما : كلك والآخر : باده ، فانسلا من بين أولئك القادة ، وسلكا طريقا غير العادة ، وأتيا تموجين الطاغية اللعين في خفية ، ونبها وعيه وأخبراه وبصراه وأنذراه وحذراه ؛ بما تمالأ « 4 » عليه الملك مع عسكره المنهمك . وقالا : أيها العفريت قد طبخت لك قدر التبييت « 5 » ، فتنبه من النوم وراقب في الليلة الفلانية هجوم القوم ، فإنه قد مرج مارج الفتنة ، فامرج وعن وهاد غفلتك اعرج ، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فأخرج ، وباعاه من السر ما جرى بتخيير المشترى ، وقصا عليه القصص ؛ فخلصا طير حياته من القفص ، وظبي نجاته من القنص ، فشكر لهما فضلهما واستكتمهما قولهما ، ثم تثبت في أمره وأخفاه عن زيده وعمره ، وجمع تلك الليلة رجله

--> ( 1 ) الأرزة : شجر يشتهر بصلابة خشبه وجودته . ( 2 ) الشنآن : البغض والكراهية . ( 3 ) قطع ونفذ . ( 4 ) أي تشاور . ( 5 ) أي قدر له الأمر ليلا .