أحمد بن محمد ابن عربشاه
53
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
كذلك الملوك والسلاطين والقائمون بإقامة شعائر الدين ، هم ممن اختاره اللّه على خلقه ، وأجرى على يديه لهم بحار كرمه ورزقه ، والسلطان ظلّ اللّه في أرضه يجرى بين عباده شريعة نفله وفرضه ، قال من له الخلق والأمر أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ [ النساء : 59 ] . وقد غفل أهل هذه الممالك عن السلوك في هذه المسالك ، وعن درك هذه الحقائق ، وأعرضوا عن الدخول في أحسن الطرائق ، وهي طريق المحاشمة « 1 » والصفح والمكارمة ، وعدوّا المكر من أحسن الرئاسة ، والعقل والكياسة ، والتحيّل لأكل أموال الناس من الذكاء ، ومظالم العباد من خلال الصدق والصفاء ، وتملقهم للملوك . والسلاطين من أسباب الوصول إلى الأغراض ، مع تحسين الظواهر وفي البواطن أمراض ، فظواهرهم ظواهر الإنس تشتمل على المودة والأنس ، وما فيهم تحت الثياب إلا كلاب وذئاب ، ولأجل هذا سلطنا الله عليهم ومدّ يد بطشنا إليهم ، نعاملهم بالفراسة ، ونعمل بما تقتضيه الكياسة ، وتصوبه الآراء السلطانية من قواعد السياسة . قال الحكيم حسيب ، بعد ما أدرك ما في هذا الكلام من نكر غير مصيب : اعلم أيها الوزير ، النافع الناصح ، والدستور الشفيق المصالح ؛ أن الرعية بمنزلة السرج « 2 » ، والملك بمنزلة الشمس في البرج ، وإذا تلألأ على صفحات الأكوان ، وأنار في وجه الزمان والمكان أشعة نور الشمس الوهاج ، فأي شعاع ووجود يبقى للسراج . وإن أنوار قلوب الرعايا ، وما يحصل لها من إشراق ومزايا ؛ إنما هي من فيض أشعة ملوكهم ، وإن الرعية تتبع الملوك في سلوكهم ، فإذا صفت مرآة قلب السلطان ، أشرقت بالطاعة قلوب الرعايا والأعوان ، بل الزمان والمكان تابعان لما يضمره وينويه السلطان .
--> ( 1 ) الأدب والحياء . ( 2 ) السرج ، مفردها السراج ما يوضع فيه زيت المصباح .