أحمد بن محمد ابن عربشاه

519

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

[ 92 ] [ من أخبار هارون : ] وروى : أن الإمام المسدد جعفر بن محمد ، دخل على الرشيد « 1 » وهو في أمر شديد ، قد استولى عليه الغضب واستخفه الطيش والصخب ، فقال : يا أمير المؤمنين إن كان غضبك لرب العالمين فلا تغضب له أكثر من غضبه لنفسه ، وقد حد لكل شيء حدا من نقمه وبأسه ، فلا تتعد حدوده ، فإنه قد ملكك عبيده فتذكر من وقوفهم بين يديك ، واقتدارك عليهم إذا تمثلوا قياما لديك ، قدومك يوم القيامة عليه ووقوفك خاضعا منفردا بين يديه ، ومن انتقامك منهم سؤاله إياك عنهم ، فسكن من غضبه واقتدى بأدبه . وقال الحكماء للاسكندر « 2 » : عليك بالاعتدال في كل الأمور ؛ فإن الزيادة عيب ، والنقصان عجز . وفي الحديث : « خير الأمور أوسطها » « 3 » . ولهذا قيل في الأقاويل : ينبغي للإنسان الراجح العقل في الميزان ، أن يحصل من كل علم مقدار ما يحتاج إليه ، ويعول في مشكلاته عليه . مثلا من علم الأدب ما ينال به عند أربابه الرتب ، كاللغة والنحو والصرف ، ولو أنه أدنى حرف ، ليقوم بذلك لسانه ، ومن علم المعاني ما يبدع به بيانه ، ومن العروض والقوافي المقدار الوافي والمعيار الكافي ، ومن الطب ما يعرف به

--> ( 1 ) الرشيد ؛ هارون الرشيد ، أشهر خلفاء بنى العباس وهو خامسهم ، تولى بعد اغتيال أخيه الهادي ، وهو ابن الخليفة المهدى ، اشتهر بعدله وحبه للأدب والعلم ، وازدهرت الحضارة الإسلامية في عهده ؛ فبلغت أوج مجدها . ومات سنة ( 193 ه ) سير أعلام النبلاء ( 1414 ) . ( 2 ) الإسكندر بن الملك فيليب حكم مقدونيا اليونان قديما . من أشهر العسكريين الغزاة في التاريخ ، اجتاح مملكة الفرس ، ودخل مصر وأسس بها مدينة الإسكندرية ، ومات في مدينة بابل متأثرا بالحمى . البداية والنهاية ( 2 / 97 ) . ( 3 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 391 ) وفيه قال في المقاصد : رواه ابن السمعاني في ذيل تاريخ بغداد لكن بسند فيه مجهول عن علي مرفوعا ، والديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعا بلفظ الحديث « خير الأعمال أوسطها » . الحديث .