أحمد بن محمد ابن عربشاه

518

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

والعدل يجرى في الصفات كما يمشى في الذوات ، ومرتبته في العلو أن يكون بين التقصير والغلو ، كالكرم الذي يكون بين الإسراف والتبذير ، والشح والتقتير . والتواضع الذي بين الضعة والتكبر ، وبين التصعر والتصغر « 1 » : والشجاعة التي بين التهور والخفة ، والجبن الطائش الكفة . والقناعة التي بين الحرص والطمع ، والنذالة والهلع ، وبين العجب والتصلف « 2 » ، والاحتشام والتقشف . والإخلاص الذي بين الشرك والهوى ، وبين الإعجاب والرياء . والعفة التي بين التهافت على المشتبهات والترفع عن تناول المباحات والطيبات . والعزم الذي بين سوء الظن والوهم والوسواس ، وبين إذاعة السر والاستخفاف وعدم المبالاة بالناس . والحلم الذي بين الغضب بلا سبب ، وبين التغاضي عن اللئام عند موجب الانتقام . والشفقة ولين الجانب للأقارب والأجانب ؛ الذي بين القوة والاستكبار ، وبين الرخاوة واللين المستلزم لتضييع حقوق الأهل والجار . وحفظ الحقوق الذي بين التكلف والعقوق ، يراعى فيها الحدود ، ولا يخرج فيها عن الحد المعهود ، فالخروج عنها يسمى عنادا وقساوة ، والتقصير فيها يدعى ركاكة ورخاوة . مثلا : من يستحق العفو لا يضرب ، ومن يستأهل الضرب لا يقطع ولا ينكب « 3 » ، ومن استوجب القطع لا يقتل ، ومن وجب عليه حد لا يهمل . وتجرى أمور الشرع الشريف على ما ورد به الأمر المنيف ، فما ثم أحد أكرم من الله ولا أرحم ، ولا أعلم بأمور مخلوقاته ولا أحكم ، قال السميع البصير أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الملك : 14 ] .

--> ( 1 ) التصعر : التكبر والأبهة . والتصغر : الذل والهون . ( 2 ) التصلف : التملق . ( 3 ) أي يقتل .