أحمد بن محمد ابن عربشاه

512

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

أنه ما رأى له هميانا ، ولا يعرف لذلك مكانا ، فقال : لو شهد لك الكون والمكان ونطق ببراءتك جوامد الزمان ، وزكاهم الكرام الكاتبون ، لما شككت أنهم كاذبون ؛ لأن إنكار المحسوس مكابرة ، والمثابرة على الباطل للحق مدابرة ، ولكن خذ لك منه يا فقير الثلث والثلث كثير ، وأردد علىّ الثلثين وإن أبيت فاجعله بيني وبينك نصفين ، فما زاد ذلك على اليمين وما شك هذا أنه يمين . فقال : أردد على مالي ، وإلا قتلتك فلا لك ولا لي ، فقال : ما رأيت مالك فافعل ما بدا لك . فشرع في تفتيشه وبالغ في فحصه وتنبيشه ، فلم يهتد إلى شيء سوى الضلال والغى ، فأخذه الحنق واشتد به الأرق ، وثارت نفسه الأبية واتقدت ثورته الغضبية ، فضربه بمحدد فقتله ، وجد له بالإهلاك فجدله ، ثم تركه وذهب ولم يحظ من الذهب بغير اللهب . كل هذه الأحوال وموسى عليه السلام يشاهد ما فيها من أفعال وأقوال ، ثم ناجى فقال : يا ذا الجلال أنت عالم بحقائق الأمور ، وسواء عندك البطون والظهور ، سألت فضلك أن تربنى عدلك ، فأريتنى هذا المغرم ، وأنت أعلى وأعلم ففي ظاهر ما أمرتني وبكرامته غمرتني ، من الشريعة المطهرة ونص التوراة المحررة ، أن هذا الحكم جور وظلم ، فأطلعنى على الحقيقة وبين لي سلوك هذه الطريقة . فقال الله تعالى وجل جلالا : يا موسى المقتول قتل أبا القاتل ، والقاتل سرق الكيس من أبى الفارس الخاتل . ففي الحقيقة : الفارس النبيه وصل إلى ماله المخلف عن أبيه ، والقاتل إنما استوفى قوده « 1 » ممن قتل والده ، وهذه الأمور إنما تتضح يوم النشور يوم تبلى السرائر وتكشف الضمائر ، وينادى يوم التناد لا ظلم اليوم إن الله قد حكم بين العباد .

--> ( 1 ) القود : القصاص .