أحمد بن محمد ابن عربشاه

510

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وصدق أنه أقوى من الكل وإلى مرسومه مرجع الجل والقل ، ولا يد فوق يده ، وأنه قد انتهى حديث رفعته لعلو سنده ، وبلغ في التسلط ونفوذ الأمر إلى أقصى أمده ، إذ هو ظل الله في أرضه ، وخليفته في إقامة نفله وإحياء فرضه ، وقابض أزمة المخلوقين ، ومنصف المظلومين من الظالمين . فإذا لم ينصفه السلطان مع القدرة الكاملة والإمكان ، توجه بشكواه إلى سلطان السلاطين ، وطلب رفع ظلامته من رب العالمين ، لعلمه أنه الحكم الذي لا يجور ، والحكيم الذي بيده مقاليد الأمور ، والحاكم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وأنه أقوى من السلطان ، ولا يحتاج في الشكوى إلى بينة ولا بيان ، ولا إلى دليل ولا برهان . وقد نزلت بي حادثة للقلب كارثة ، وبالفكر عابثة ، وللسر عائثة ، وهي أن العامل الفلاني ظلمني وأخذ مكاني ، فأنا أشكوه إليك وقد تراميت عليك ، وعرضت قصتي بين يديك ، لأنك نعم السند وليس فوقك أحد ، ولا في الحكام إلا من هو لك بمنزلة الغلام ، وما بعدك إلا الله مولى لا يخيب من رجاه ، ويجيب المضطر إذا دعاه ، فإن وعيت قصتي وكشفت غصتى وإلا رفعتها إلى الله ، وقطعت النظر عما سواه ، وهذا أوان الموسم وإعمال المنسم « 1 » ، وأنا متوجه إلى حرمه ومترام على باب إحسانه وكرمه . فلما وعى المنصور خطابه أرسل من سحاب جفنه عبابه « 2 » ، وقال : حبا وكرامة يا ذا الزعامة ، بل أنصفك وبالفضل أسعفك ، وأضعف كرامتك وأكشف ظلامتك ، وأوصلك حقك وأعطيك مستحقك ، وأمر فكتب إلى واليه يضع من معاليه ، ويأمره برد أراضيه ، وطلب مراضيه ، والتحلل من ظلم أياديه ، وإكرام محله وناديه .

--> ( 1 ) المنسم : هو التوجه إلى وجهة معينة أي يريد التوجه إلى بيت الله الحرام أثناء موسم الحج . ( 2 ) العباب : السيل . أي دمع كثير .