أحمد بن محمد ابن عربشاه

51

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وهذا كله مصداق قوله تعالى وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] . وناهيك يا ذا القدر الخطير قصة قابوس بن بشكمير « 1 » . قال الحكيم للوزير : أخبرني أيها الدستور الكبير بكيفية ما أنت إليه مشير . [ 5 ] [ قابوس بن بشكمير : ] قال الوزير : ذكر أن قابوس بن بشكمير ذاك الأسد المنير ، قبض على جماعة كانوا جبذوا أيديهم من الطاعة ، من أركان دولته وبنيان صولته ، ثم قيدوه وحبسوه ، وأقاموا ولده مقامه وأجلسوه ، ثم إنهم لم يأمنوا غوائله « 2 » وأفكاره الصائلة « 3 » ، فتآمروا أن يسبكوه ويعمدوا إلى دمه فيسفكوه « 4 » ، فأرسلوا إليه قاتلا ؛ فوثب إليه سائلا ، وقال له : ما سبب قتلى وما نابهم من أجلى مع كثرة إحسانى إليهم ، وانسبال ذيل إكرامي « 5 » وإنعامى عليهم ، وتربيتى إياهم كالأولاد وفلذ الأكباد ، وصونى إياهم عمّن آذاهم . فقال : كثرة إراقة الدماء أهاجت عليك الغرماء ، وأكثرت لك الخصماء . لما تغيرت خواطرهم عليك خافوا وقبل أن تحيف « 6 » عليهم حافوا . فقال قابوس : والله ما سبب هذا النكد والبؤس وإثارة هؤلاء الخصماء إلا قلة إراقتى للدماء . يعنى لو أراق دماء القائمين عليه لما وصل هذا المكروه إليه . فلما أبقى عليهم أفنوه ، وحين ترك آذاهم آذوه . وإنما أوردت هذا التنظير ؛ ليقف خاطرك الخطير ، أن أمور الرئاسة ،

--> ( 1 ) قابوس بن بشكمير ؛ أمير من أسرة بنى زيار حكم جرجان وطبرستان ، وكان أديبا ، شاعرا . توفى ( 1012 ) م . ( 2 ) غوائل ، مفردها غائلة : المكر . ( 3 ) أفكاره النافذة . ( 4 ) يهدروه ويقتلوه . ( 5 ) انسال إكرامه وجوده لهم ( 6 ) الجور .