أحمد بن محمد ابن عربشاه
508
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فحزن لفقد سمعه وتأسف وتحرق وتلهف وتأرق وبكى ، وتأوه واشتكى ، وقال : ما أتلهف من عدم سماع الحديث إلا على فقدى صوت المستغيث ، ولا كنت أتلذذ من متكلم إلا بالإصغاء إلى خطاب المتظلم ، ثم قال : ولئن حرمت ذلك من طريق الأخبار فلأتوصلن إليه من طريق الأبصار ، ثم أمر بإشهار النداء في الأطراف والأرجاء أنه من كانت له ظلامة فليظهر له علامة ، وهي أن يلبس ثوبا أحمر ويقف فوق ذلك التل الأخضر ، لنعرف علامته ونكشف ظلامته . [ 88 ] [ قصة السلطان نور الدين وبناء دار العدل : ] وقيل : إن السلطان السعيد ، نور الدين الشهيد « 1 » ؛ لما أمر ببناء دار العدل ، وعزم أن يقيم فيها للحكومات الفصل ، أدرك الأمير الكبير صاحب الرأي المنير أسد الدين شير كوه « 2 » ، ما يعتمده السلطان ويرجوه ، وما يحمله على ذلك ويدعوه ، وعلم أن ذلك الأسد لا يسامح عنده أحد ، وأنه لا يراعى في الحق أميرا ولا كبيرا ولا صغيرا ، فإنه مع الحق وبالحق قائم لا تأخذه في الله لومة لائم ، فجمع مباشرى ديوانه ، وأكد ما قاله لهم بأيمانه لئن شكا منهم أحد ، أو بلغه عن أحد من حاشيته ظلم أو نكد ليذيقنه أشد العذاب ، ولينزلن به أنكى عقاب ، وقال ما برز هذا الأمر العزيز الغالي ، ببناء هذا المقعد العام العالي ، إلا لأجلى ولأجل أمثالي فما وسعهم إلا طلب الخصوم ، واسترضاء العادل والمظلوم .
--> ( 1 ) نور الدين الشهيد ؛ ابن عماد الدين زنكى ، حكم الشام ومصر وحارب الصليبيين وانتزع منهم إمارتى الرها وبانياس عام 1164 م ، وشيد العديد من الحصون والمساجد . توفى سنة ( 569 ه ) بدمشق سير أعلام النبلاء ( 5157 ) . ( 2 ) أسد الدين شير كوه ؛ هو عم صلاح الدين الأيوبي ، خدم نور الدين زنكى وكان وزيرا للعاضد الفاطمي ؛ آخر خلفاء الدولة العبيدية . وحارب الصليبيين وحقق انتصارا عليهم في موقعة تل بسطة توفى ( 564 ه ) سير أعلام النبلاء ( 5186 ) .