أحمد بن محمد ابن عربشاه

506

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ويقابل نعمه بالشكر ويطمئن خاطره ، وتسكن إلى مولاه سرائره ، فلا يستقبح موجودا ولا يستهجن مفقودا ، ولا يستثقل حكما ، ولا يرى في الكون ظلما ، بل يستقبل الأحكام بالرضا ويستسلم لموارد القضا ، ويقابل العوارض بما قاله ابن الفارض « 1 » : وكلّ أذى في الحبّ منك إذا بدا * جعلت له شكري مكان شكيّتى وأعدل المخلوقات وأوسط الكائنات الأنبياء عليهم السلام ، فإنهم أعدل الخلق مزاجا وطبيعة ، وأقوم الناس منهاجا وشريعة ، وأوسط البشر أفعالا ، وأقسطهم أعمالا وأقوالا ، وإنما يعترض على أقوالهم ويتعرض لأفعالهم من هو عن الصواب منحرف ، وعن جادة الحق منصرف ، ومن عين بصيرته عمياء عن مراقبة التحقيق ، كالأعمى الذي خرج وهو ماش عن سواء الطريق ، فيعثر في شوك أو حجر أو يصدمه حيوان أو شجر ، فيقول : نحوا هذا عن الطريق ؛ فإنه يحصل للمارة تعويق ، ويعيب على واضعه وإنما العيب في طبائعه ، والجهل منسوب إليه لعمى قلبه وعينيه ، كما قال ذو الخويصرة لسيد الرسل البررة لما قسم الغنيمة قسمة مستقيمة : أعدل فأجابه الكامل المكمل بأنه : « إن لم يعدل فمن يعدل » « 2 » . وإنه أي ذا الخويصرة الذي أعمى الله بصره خاب وخسر ، ولاقى اليوم العسر إن لم يعدل ذلك المفضل ، وكيف يقال هذا الكلام لمثله عليه الصلاة والسلام ، وقد أمره الله تعالى بالعدل ، ونشر سر هذا النقل وأقر عينكم ، بقوله وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ [ الشورى : 15 ] .

--> ( 1 ) ابن الفارض : عمر بن علي الفارض ، من كبار المتصوفة وأعلامهم . وهو أيضا شاعر عظيم له ديوان ؛ أشهر ما فيه التائية في نظم السلوك ، وهو مصرى عاش فيها زاهدا متنسكا طوال عمره . ومات ودفن بها . سير أعلام النبلاء ( 5702 ) . ( 2 ) جزء من حديث أخرجه البخاري : كتاب المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ( 3610 ) من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ « ومن يعدل إذا لم أعدل » الحديث .