أحمد بن محمد ابن عربشاه

496

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

للعبادة وركّب فيه عناده ، وأقامه للعمل وجبله على الكسل ، فأمره بالصلاة وهو كسلان ، وبالصوم وهو شهوان ، وبالزكاة وحبب إليه المال ، وبالحج وكره إليه الانتقال ، وبالرضا وركز فيه الغضب ، وبالتسليم والصبر وخمره « 1 » بالضجر والصخب ، وبالتواضع ووضع فيه التيه ، وبالتخلق بأخلاق خالقه وفيه ما فيه ، وحكم عليه بالموت وقد تحقق أنه ليس له منه فوت ، وهو يكره عن الدنيا التحويل ، وأقل أقسامه أنه يحب العمر الطويل . وعلى هذا قد تعود أن يفعل في المكان المتزود أفعال المقيم المؤيد ، والدائم المخلد ، وبنى بناء من لا ينتقل ، وعن قليل يتركه ويرتحل ؛ لا سيما من تعلق بالدنيا قلبه ، وتشبث بالمال والولد والجاه والتحكم حبه ، وقد أخبر العزيز الوهاب في أصدق كتاب وأوثق خطاب ، فقال : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ آل عمران : 14 ] . فالنفس مائلة إلى الإقامة وراغبة في دوام السلامة ، تحب طول العمر في الزمان ، وإن أحوجت الثمانون السمع إلى ترجمان ، وقد قيل : وأحسن ما كان الفتى في زمانه * مع السّعد والجاه العظيم معمّرا وأشهى ما سمع الحاكم وألذ ما تلقاه من قول الناظم قوله : فلا زلت بين الورى حاكما * بجاه عريض وعمر طويل ولقد بلغني يا ملك الزمان أن الملك العادل أنوشروان ، كان بنى أساس ملكه على العدل ، وعامل رعيته بالإحسان والفضل ، ويكفيه من الفضائل وحسن الشمائل ، قول سيد الأواخر والأوائل : « ولدت في زمن الملك

--> ( 1 ) أي خالطه .