أحمد بن محمد ابن عربشاه
493
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال الشيخ أبو المحاسن الراوي من الأدب الأحاسن : فلما أبان الحكيم عن هذا الفضل الجسيم وكشف نقاب البيان عن مخدرات هذا التبيان ، فتلألأ من وراء سجيف ألفاظه وجوه معانيه الحسان ، عظم في أعين الأعاظم ، وكبر لدى الأعراب والأعاجم ، ورفعه أخوه وعظمه ذووه ، فأضاء مناره وعلا مقداره ، وملأ الآفاق أنواره ، ووقع من الملك على الاعتماد عليه اختياره ثم استزاده من فيض هذا العيوب واستسقاه من خوض هذا الشؤبوب « 1 » ، واستطعمه من أخبار العقاب واليعقوب إن كان ثمّ بقية ، تجلو القلوب الصدية ، فامتثل الإشارة وحسن العبارة . [ 83 ] [ أخبار العقاب واليعقوب : ] وقال : ثم أن أبا الحجاج دعا القبيح أبا الدجاج ، واختلى به دون أصحابه وقال له : أعلم يا جليس الخير وأنيس الطير ورئيس الدير ، أنى تحملت من اليؤيؤ المنة العظيمة والجميلة الجسيمة ، حيث أرشدك إلى بابى ، ونظمك في سلك أصحابي ، ولا جرم أنه قام بما يجب عليه ، وعرف مقدار إحسانى وميلى إليه ، وأنه لأوثق أعواني وأصدق خلانى ، وصاحب قديم ومخلص عديم النظير نديم ، وصديق كافى وناصح مصافى ، وإني لأتيمن بطلعته وأتبرك بمشاهدته ، واستنجح بآرائه ، واستصبح في المهمات المظلمة بلامع ضيائه ، ولقد حصل منك على عضد معاضد وساعد مساعد ، وكهف وذخر وسند وظهر ، فإياك أن تترك ذيل مودته أو ترغب عن صحبته ومحبته ، وإن تقتصر يا ذا الوقوف في صداقته على الوقوف ، فأفضل المحبة وأكمل المودة ما تزايد على مر الدهور ، وترادف على كرّ العصور ، وثبت أصله وغزرت فروعه ، وفاض من سويداء القلب على مجارى الجوارح نبوعه ؛ بحيث يقع الاتحاد ، ويمتزج بالصفاء الوداد ، فقد قيل : لا تصبح المحبة بين اثنين حتى يصيرا كالعينين حيثما نظرت إحداهما شزرا مالت معها
--> ( 1 ) المياه المتجمعة من شدة اندفاع المطر .