أحمد بن محمد ابن عربشاه

488

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

غير أن لي قرينة مثلي فقيرة مسكينة ، صابرة على السراء والضراء ، قضينا معا ماضي الصباح والمساء ، لم يترك عقيل الحوادث لنا دارا ، ولا يد العوابث عقالا ولا عقارا ، ولا مخلب العوائث جارا ولا جوارا ، ولا ناب الكوارث ولدا ولا قرارا ، والويل كل الويل لمن كان مستقره في طوارق الليل ، ومن حوادث الدهر على طريق السيل ، وقد طال الكلام في كيت وكيت وقضايا ذيت وذيت ، إلى أن لم يبق في البيت سوى البيت ، ولما بلغ سيل العرم الزبى ، وحزام الهم الطّبى « 1 » ، وما حال من يرى أفلاذ كبده تنقطع ويشاهد كل وقت قرة عينه بمخاليب الجوارح تتبضع ، ولا يد للمدافعة تمتد ، ولا نهضة للممانعة تشتد فينشد : كفى حزنا أنّى أرى من أحبّه * رهين الرّدى يرنو إلىّ بطرقه أودّ بما لي لو يفدّى ومهجتي * ولكن يد التّقدير غالت بحتفه ولما تكرر ضر أيوب « 2 » ، وتضاعف حزن يعقوب « 3 » ، تركنا تلك الديار بالاضطرار ، وعلى أبوابك الشريفة وقع الاختيار ، فرصدنا للتحويل أيمن الساعات ، واخترنا للرحيل أحسن الأوقات ، ثم صممنا العزيمة ونادانا هاتف السعد : أسرعا نديمى جذيمة فقطعنا المهامة والقفار ، وسرينا الليل والنهار ، فكم رغنا عن أبي الحصين ، ولقينا ما لاقى الحسين بكربلاء « 4 » من الكرب والبلاء ، وكم لجأنا من بنى زغار إلى كهف وأجم « 5 » وغار ،

--> ( 1 ) أي اشتد الأمر وتفاقم . ( 2 ) المقصود سيدنا أيوب عليه السلام . ( 3 ) المقصود سيدنا يعقوب عليه السلام . ( 4 ) الحسين بن علي بن أبي طالب من عبد المطلب ، أبو عبد الله سبط رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم وريحانته . الإمام الشريف الكامل . ومناقبه وفضائله رضي الله عنه كثيرة جدا . واستشهد يوم عاشوراء في كربلاء من العراق سنة ( 61 ه ) سير أعلام النبلاء ( 282 ) الإصابة ( 1714 ) . ( 5 ) حصن .