أحمد بن محمد ابن عربشاه
485
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فتقدم اليؤيؤ إلى الحضرة والملك في أبهى نضرة ، وقبل مواطئ سلطانه ، ووقف من مقام خدمته في مكانه ، وقال : شخص عارف بطرائق السلوك ، يليق لخدمة الملوك ، واقف بالباب يروم تقبيل الأعتاب ، يطلب لذلك الدستور والإنعام بإذن الحضور ، وليشمله النظر الشريف ويحظى بحظ وريق وريف ، هل يرجع كالمصروف عن خدمته أو يدخل كالدولة والإقبال ، فعطف بالقبول وأذن له بالدخول ، وسمح بالمثول ، فتوجه اليؤيؤ على عجل إلى الحجل ، فدخل وهو من الحياء متأثر ، وفي ذيل الدهشة والهيبة متعثر ، وعليه غلالة سابورية « 1 » ، وخلعة نيسابورية « 2 » مشتملا بشملة كافورية « 3 » ، كأنه شيخ الصوفية ، فلما وقع نظره على العقاب قوى جأشه ورفع الحجاب ، وحل عقدة لسانه من لكنة الخطاب ، ثم قبل الأرض ووقف ، وأنشد بديها وما وقف : ولو أنّ فقفوا وكسرى وتبّعا * رأوك لخرّوا بين أيديك سجّدا « 4 » وما أن وفّوا حقّا عليهم وإنما على قدر ما في الوسع مدّ الفتى يدا فابتدر اليؤيؤ بلفظ يخجل اللؤلؤ للحجل ، يريد إزالة الدهشة والخجل ، وطيب المقام ببسط الكلام : أيها الغريب الأريب الأديب النجيب ، رأيناك روحا ملخصا وعقلا مشخصا ، صحبتك مرغوبة ومنادمتك مطلوبة ، لقد حللت محل الأمن والأماني ، وعقدة السعد والتهاني ، فدع دهشتك وذر
--> ( 1 ) رداء جميل . ( 2 ) رداء فضفاض كان ينسج في مدينة نيسابور وهي مدينة إيرانية كانت عاصمة خراسان في القديم . ( 3 ) غطاء للرأس يفوح منه رائحة الكافور . ( 4 ) فقفور : أحد الملوك العظماء من تبع ، وهي : دولة قديمة نشأت في اليمن بعد الدولة الحميرية حكمها عظماء الملوك . وكان يلقب كل واحد منهم تبع ، وآخرهم ذو نواس صاحب بخران .