أحمد بن محمد ابن عربشاه
479
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
واعلم يا أبا الفضائل أن هذا الملك له شمائل وصفات وفضائل ، يستدل بظاهرها على باطنها ، ويتوصل بظهور باديها على حركات كامنها ، فإياك أن تغفل عن مراقبتها وتهمل حال عاقبتها ، بل اجعل شواهدها نصب عينك ، لتقرب من حياتك وتبعد عن حينك « 1 » . منها : إذا رأيته رجع من الاصطياد ظافرا منه بالمراد ، وقد اقتنصه وحصله وملأ منه الحوصلة ، وسكنت منه بواعث الشره ، التي هي منفخ لواعج الطيش والسفه « 2 » . ومنها : إذا رأيته جلس في مجلس السرور ، وبسط لجبهة الكرم جناح النشاط والحبور ، وضم عن مطامح الحرص القوادم والخوافي ، وطلب من رؤساء المملكة الأنيس المصافى ، ومن ندماء الحضرة الجليس الصافي ، ومن مطربى الأطيار البلبل والهزار « 3 » ، ومن رقص بدفوف الأزهار ، وصفق من ذي عود وطار ، فاستمع لهذا وباسط ذاك ، وطفق جلساؤه ما بين منصت وحاك ، فإن هذه الأوقات لما فيها من علامات هي الانبساط ، وأيام الفرح والنشاط ، فاعمل فيها ما بدا لك وأطنب مقالك ، وكرر جوابك وسؤالك ، فإنك في كعبة الأمن فاستلمها وقد هبت رياحك فاغتنمها ، والعب بإبطيك وصفق بجناحيك ، واهدر في نقنقتك « 4 » ، واسجع في بقبقتك « 5 » ؛ فإن الوقت لك لا عليك ، والسعد الطالع ناظر إليك . ومنها : إذا رأيته جالسا صامتا ، أو إلى الأرض باهتا ، أو محمرة عيونه أو مضطربا سكونه ، أو أفعاله على غير استواء أو أقواله دائرة مع
--> ( 1 ) هلاكك . ( 2 ) رديء الخلق . ( 3 ) طائر وهو العندليب . ( 4 ) صوت كصوت الضفدع . ( 5 ) أي كثرة الكلام .